‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2. يوميات إتنين متزوجين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات 2. يوميات إتنين متزوجين. إظهار كافة الرسائل

ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة السابعة عشرة

قــالت ســارة:
لن أنسى تلك اللحظة التي أخبرني فيها عمر بعدم اختيار الشركة لتصميمه .. وقتها تماسكت ولم أنفجر في البكاء كما كنت أتمنى .. واجتهدت أن أخرج صوتي طبيعي وأنا أكمل إجابته: وما اختاروش مشروعك مش كده، طيب وفيها إيه؟ ماهو الإحتمال ده كنا متوقعينه برضه؟ إيه المشكلة؟ فردّ عليّ عمر وكأنـّه كهل عجوز يحمل الدنيا فوق كتفيه: إيه المشكلة؟! إيه البساطة دي؟!! المشكلة إنـّنا خسرنا كل حاجة .. إنتي خسرتي كل ذهبك، وأنا خسرت ثقتي في نفسي، وشكلي أمام الكل، وخسـّرتك معايا كل حاجة ..
فرددت بمرح: الكل مين يا حبيبي؟ أنا بس اللي عارفة الموضوع ده .. وبعدين تفتكر شكلك ح يتهز قدامي من محاولة خسرتها؟ .. ده إنت الدنيا وما فيها يا حبيبي، وفداك دهب العالم كله ..
فلم يستطع النظر إلى عيني، وأشاح وجهه عني كي لا أرى دموع عينيه: أرجوكي يا سارة، إنتي بتزودي إحساسي بالذنب بكلامك ده .. أنا خذلتك وضيعت كل حاجة، وربنا يقدرني وأعوضك .. أنا آسف آسف آسف ..
فأخذت أقرأ آيات القرآن على جبينه كي يهدأ، وأنا أطلب من الله القوة والعون كي لا أنهار مثله .. من يقول عن المرأة أنها أضعف من الرجل؟ .. إنه مطلوب منها أن تكون زوجته وحبيبته وأخته وصديقته وأمه أيضاً .. فهداني الله لفكرة من الممكن أن تهدئه قليلاً، فقلت له: يا ريت كلّ الخسارة تكون في الفلوس .. تخيل لو إنـّك حصل لك حاجة حنعمل إيه أنا وإبنك في الدنيا؟ ربنا يخليك لنا ألف سنة .. أنت لسه بكامل صحتك وفي عز شبابك .. وتستطيع فعل المعجزات .. تخيل لو فقدت هذه الصحة وكسبت المشروع؟ أيهم سيسعدك أكثر؟
فهدأ قليلا لكلامي ولكنه رد بألم وقال لي: أنا آسف يا سارة

.. ولكنك لا تعرفين إحساس الرجل عندما يشعر أنه صغير في عين من يحب .. كان نفسي أفرحك والله ..
فرددت بمكر وبحزن مفتعل: طيب يا عمر أنا ما كنتش عاوزة أقول لك، بس خلاص بقى، الحقيقة الدكتور قال لي أن البيبي ممكن تكون فيه تشوهات ..
نسي كل شيء وصرخ بلهفة: إيه؟ بتقولي إيه؟؟ لا إله إلا الله ..
فضحكت لنجاح خطتي وقلت له: ضحكت عليك .. الولد كويس وزي العفريت، ومطلـّع عيني ياسيدي .. شفت بقي إن المشروع ممكن يتعوض وفيه حاجات تانية لا يمكن تتعوض؟
فرد بإيمان: الحمد لله .. فعلا الشيطان ينسينا النعم الكثيرة التي ننعم بها، ويذكرنا فقط بما فقدنا .. ربنا يخليكي لي إنتي ويحيى ..
تساءلتُ باستغراب: مين يحيى ده يا باشا؟
قـال: إيه رأيك في الإسم ده؟ ده الإسم الوحيد من كل أسماء الكون اللي ربنا عز وجل إختاره بنفسه لنبيه زكريا .. لم نجعل له من قبل سمياً .. وبقية الأسماء من اختيار البشر .. وبعدين قصة سيدنا يحيى تكشف شخصية نورانية تعشقيها من كثرة صفائها، لدرجة إن كل المخلوفات كانت تسبح معه عندما يسبح الله .. وكمان مات شهيداً .. ايه رأيك يا حبيبتي؟
قلت بابتسامة: خلاص موافقة يا أبو يحيى ..

استيقظتُ من نومي وأنا أعاني من آلام متفرقة في كلّ جسدي .. تقريباً لم أنم طوال الليل .. ظللت أتقلب ولم أستطع النوم إلا لدقائق معدودة، كما هو حالي منذ عدة أيام .. وأبكي في كلّ حركة من ثقل جسدي، حتى أنـّني كلّ يوم أتمنى أن ألد في نفس اليوم لأتخلص من هذا العذاب .. سبحان الله، وكأن التعب يزداد في الأيام الأخيرة كي تتغلب الأم على خوفها من الولادة وتتمناها أن تحدث .. آه .. أكاد أموت من الرعب عندما أتخيل هذه الساعات، وأقرأ دوماً سورة الزلزلة، وبعض آيات سور الرعد وفاطر التي تساعد على تيسير الولادة كما قالوا لي .. ولا ترحمني أي واحدة من قريباتي عندما أخبرها بخوفي من الولادة، بل تقصّ على قصصاً مرعبة عن أنها كادت تموت .. والأخرى التي تمزقت من الألم لساعات طويلة .. والثالثة التي كادت تقتل الطبيب والممرضات .. إيه يا جماعة الرعب ده؟ طيب أعمل إيه يعني؟ أفضل حامل على طول ولا أعمل إيه؟
“سارة سارة سارة .. تعالي بسرعة” ..
إيه ده عمر بيصرخ كده ليه؟ .. هرولت إليه، ولكن بسرعة السلحفاة طبعاً، وأنا أهتف: مالك يا عمر خير؟
عمـر: أنا مش مصدق نفسي يا سارة .. بجد مش مصدق ..
أنـا: إيه يا عمر فيه إيه .. أنا ولدت وأنا مش واخدة بالي؟
فأجاب وقلبه يكاد يتوقف من الفرحة: لا .. فاكرة الشركة اللي صممت لها المشروع ولم يختاروه؟
فرددت بتململ وأنا أخشى من فتح هذا الموضوع: مالها؟ عاوزين إيه تاني؟
عمـر: إتصلوا بي وقالوا إن فيه مقابلة النهاردة الساعة 6 مساءاً لأصحاب التصميمات المتميزة اللي ما فازتش، لاختيار مهندسين للتعيين في الشركة بمرتب كبير ..
نسيت تعبي وإرهاقي وهتفت: بجد؟ الحمد لله .. ودي فيها مميزات أحسن من شركتك؟
عمـر: إنتي بتهرّجي؟ .. مفيش مقارنة طبعاً .. دي ضعف الراتب وأكثر .. وكمان بالدولار .. والأهم من كده إن نظام الترقية فيها زي كلّ الشركات متعددة الجنسيات، بالمجهود مش بالأقدمية زي عندنا .. يعني ممكن في خلال شهور أكون مدير تنفيذي مثلاً .. بجد مش مصدق نفسي .. إدعي لي يا وش الخير ..
أنـا: ربنا يكرمك ويوفقك .. إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .. إن شاء الله حيختاروك .. ده رزق يحيى مش وشي أنا .. يالاّ قوم صلي ركعتين قضاء حاجة لله قبل ما تروح واتكل على الله .. ربنا وكيلك ومش ح يضيعك أبداً ..
وانصرف ليصلي ويستعد للخروج وأنا أدعو الله له .. وفجأة شعرت بضربة ألم حادة تشمل جسدي كله وتتركز في منطقة الرحم، وكاد توازني أن يختل من شدة الألم المفاجىء، واستمر دقائق مرّت على كساعات .. ثم اختفى تدريجياً وأنا لا أكاد أستطيع التنفس من شدة الألم، حتى بعد ذهابه ..
وحاولت تناسيه بأن ذهبت لأصلي خلف عمر جماعة كي ندعو الله سوياً أن يكرمنا ويكتب لنا الخير .. وأطال عمر الدعاء بعد الركوع وأنا أؤمن على دعائه بكلّ ذرة في كياني .. ثم سجدنا .. وجاء الألم العاصف مرة أخرى وأنا ساجدة .. يا الله، جسدي يتمزق ولا أقوى حتى على رفع رأسي .. وكتمت صرخة ألم كادت تفلت مني، ودعوت الله وأنا أبكي وأشعر أنـّني ضئيلة ولا أقوى على شيء أمام جند صغير من جنود الجبار؛ ألا وهو الألم .. ولا أعرف كيف نطقت التشهد الأخير، ولكن الألم بدأ في الاختفاء عند نهاية الصلاة .. واستدار عمر إليّ وفزع من شحوب وجهي الرهيب، والعرق المتناثر على وجهي، وسألني بجزع: مالك يا حبيبتي؟ إنتي تعبانة؟ بتولدي ولا إيه؟
لم أشأ أن أخبره كي لا يضيع فرصة عمره ويبقي بجواري: لا يا عمر، ده السجود بس بيتعبني أوي .. بعد كده ح أصلي وأنا قاعدة .. يالا قوم إستعد واتكل على الله ..
قال عمر بإصرار: أرجوكي يا سارة، لو تعبانة قولي وأنا أسيب مواعيد الدنيا علشانك ..
حاولت الإبتسام وأنا أرد عليه: يالاّ بلاش دلع .. لسه أسبوع كامل على ميعاد الولادة .. أنا كويسة خالص وحادخل أنام كمان ..
فصدقني وانصرف وأنا أدعو له .. وما كاد يغلق الباب وراءه حتى عاد الوحش ثانية .. وانهمرت دموعي وكدت أتخلى عن شجاعتي المؤقتة وأناديه كي لا يتركني وحيدة وهذا الألم يفتت كل ذرة في جسدي، وكتمت أنفاسي في وسادة وصرخت بكل قوتي من شدة الألم ..
إنتظرت حتى اختفى، وكلمت أمي وأنا أبكي، وقبل أن أشرح لها أي شيء فهمت أنـّني ألد، وأخبرتني أنـّها ستأتي على الفور مع أبي .. وطلبت مني أن أبدل ملابسي وأحضر حقيبة المولود وأستعد للذهاب الى المستشفى أول ما يوصلوا .. وجريت قبل أن يأتي الإعصار مرة أخرى وبدلت ملابسي، وكنت جهـّزت حقيبة يحيى من قبل ولم أنس الآيس كاب واللوشن .. آه لا أستطيع حتى الإبتسام .. أين أنت يا عمر كي أحتمي بك من الزلزال الذي يأتيني بلا رحمة؟

قــال عمــر:
أين أنتي يا سارة؟ .. ياليتك كنتي معي .. دقائق الإنتظار قاتلة والجميع يبدو على وجوههم علامات القلق الشديد .. ولكن العدد ليس كبيراً .. يارب .. يارب .. يارب ..

قــالت ســارة:
وأخيييييراً وصل ماما وبابا وأنا تكاد روحي تخرج من حلقي من شدة الألم الذي يزداد عنفاً كل مرة وتتقارب نوباته حتى تكاد تلتحم .. وما أن رآني أبي في هذه الحالة حتى أجهش في البكاء، وضمني إليه وكأنـّه يهدهد طفلته الصغيرة التي ستصبح أماً .. أما ماما فكانت متماسكة جداً وكأنها تحولت فجأة إلى طبيبة نساء وهي تسألني عن مدة الألم وتباعد نوباته، وعندما أخبرتها .. قالت لي بهدوء: لسه بدري .. أقعدوا وأنا أعمل لكم شاي .. أصل البكريّة بتطول شوية ..
فكدت أصرخ، ولكن بابا سبقني وصرخ فيها هو: يالاّ على المستشفى بسرعة، يمكن يدوها مسكن ولا يريحوها بأي شكل ..
فردت أمي بسخرية: مسكن.! .. ليه؟ حتعمل اللوز؟ أصل الولادة دي…..
ولم يمهلها أبي عندما رأى نوبة الألم تجيئني بلا رحمة حتى لم أستطع الوقوف على قدمي، فحملني كالطفلة الصغيرة وهرع خارج المنزل وأمي لا تكاد تلاحقه ..

قــال عمــر:
يارب ما هذا الإحساس؟ الله يكون في عونك يا سارة .. أنا أشعر وكأن مستقبلي كله سيولد من هذا المكان كما ستلد هي ابننا .. آه ما أصعبه من شعور .. يالله يا مغيث ..

قــالت ســارة:
يا الله يا مغيث .. يارب أغثني من هذا العذاب ..
علمت الآن لم تمنـّت السيدة مريم الموت قبلاً عندما جاءتها آلام الولادة وهي خير نساء العالمين .. ماذا سأفعل أنا؟ ألا يوجد سبيل لأن يخفت الألم قليلاً؟ قلبي يكاد يتوقف ..

قــال عمــر:
قلبي يكاد يتوقف من القلق عند كل سؤال يسأله لي المدير الأجنبي .. وأتمتم بآيات القرآن وكل الأدعية التي أعرفها .. يارب .. يارب ..

قــالت ســارة:
يارب .. يارب .. أنا خلاص مش عاوزة أولد رجعت في كلامي .. لأ حرام حاموت .. بجد مش قادرة .. طيب ح أولد أمتى؟ ولا مجيب ..
الدكتورة فحصتني وقالت باقي حوالى ساعتين .. إيه؟ ساعتين كاملتين في هذا العذاب؟
الدقيقة تسوي دهر كامل .. يارب مش قادرة خلاص ..

قــال عمــر:
يااااه مش قادر خلاص على هذا الإنتظار المدمر للأعصاب .. المدير يتفحص السيرة الذاتية الخاصة بي بدقة بعد عشرات الأسئلة الدقيقة .. ثم إبتسم أخيراً وأخبرني أن أكون مستعداً للعمل معهم الأسبوع المقبل .. يالله .. يكاد نبضي يتوقف من شدة الفرح .. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. وطلبت سارة لأبشرها وأشركها سعادتي .. ردّت عليّ والدتها وأخبرتني بأن سارة بتولد في المستشفى ..
يعني كانت تعبانة فعلاً قبل ما أنزل وما رضيتش تقولّي علشان ما أضيعش مقابلة العمل .. وتحملت كل هذا العذاب وحدها من أجلي؟ .. يارب كيف أكافيء هذا الملاك؟!!
أخيراً وصلت المستشفى بعد ما كسرت عشر إشارات واتخانقت مع كل الدنيا علشان يفتحوا لي الطريق، وأكاد أصرخ في وسط الشارع: مراتي بتولد ياااااااااااا عالم .. ووصلت لها لأجدها تحولت إلى كتلة ألم .. والعرق الغزير يغطي جبينها، والمحاليل تخترق كل جسدها، وأبوها يبكي ويتلو القرآن، وأمها تروح وتذهب مع الطبيبة وتأتي لها بأغراضها .. فلم أتمالك نفسي عندما رأيتها، وقبلت يديها أمام الجميع وبكينا سوياً .. وهمست في أذنها بأنـّي عينت في الشركة الجديدة، فحمدت الله في وهن ..
وجاءت الطبيبة تخبرنا أنها ستنقلها إلى غرفة العمليات .. فطلبت أن أكون معها .. ودخلنا وهي تصرخ من الألم العاصف، وأنا أشد على يديها وأهمس في أذنها بكلمات الصبر والتشجيع، وأذكرها بكل لحظاتنا الجميلة التي تشاركناها .. وهي لا تكاد تعي ما أقول .. ولكنـّها تقبض على يدي بكل قوة وكأنـّها تخشى أن أتركها ثانية .. وتمر الدقائق طويلة وأنا وهي نكاد نصبح كياناً واحداً صهره الألم بين يدي الرحمن .. نسأله أن يرزقنا قطعة منا ..
ويمر الوقت ثقيلاً حتى جاءت البشرى .. صوت بكاء إبننا يشقّ الكون وكأنـّه يعلن للعالم وجوده ..
أخذته الطبيبة ولفّته بعناية ووضعته في أحضان سارة وأحضاني .. وأخذنا ننظـر إليه بحنان بالغ وقد زال كلّ ألم سارة عندما رأته .. اخذنا نتلمـّسه غير مصدقين أن رحمة الله وعطاءه تتجسد في هذا الكائن مغمض العينين، جميل الوجة كأنه أحد الملائكة .. وحملته بحرص وتلوت كلمات الآذان والقرآن في أذنيه حتى استكان بين يدي وكأنه يعي نداء خالقه ..
وأخذته سارة وسالت دموعها وهي تتلمس قطعة منها نما بجوار قلبها، وقالت بصوت واهن ولكن سعيد: حلو أوي مش كده يا عمر؟
فرد الأب بداخلي لأول مرة: تبارك الله أحسن الخالقين .. أجمل كائن في الدنيا رأته عيني .. ربنا يخليكوا ليّ إنتي وهو يا أم يحيى .. يا أغلى انسانة ليّا في الوجود ..

-تمت بحمد الله-




ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة السادسة عشرة

قــالت ســارة:
أخيراً إستلمت عملي الجديد بعد طول إلحاح من عمر على مديره، وبعد أن وافق المدير مقابل تخفيض جزء من الراتب، لأنـّني لن أحضر وسأعمل من البيت .. لكن مش مهم .. عندما أحسب تكاليف المواصلات والشاي والقهوة إلخ إلخ التي كنت أصرفها في عملي القديم أجد أنـّني أنا الكسبانة .. ولكن العمل ليس سهلاً كما كنت أتخيل، فهو يتطلب يقظة دائمة ولباقة كبيرة في طريقة الكتابة والتعامل مع العملاء .. وكنت أظن أنـّني سأستيقظ كما يحلو لي وأعمل وقت ما أريد، ولكني إيميلي الذي صنعته خصيصاً للعمل مفتوح دائماً على إيميل مدير المشروع ليرسل لي الأوامر كل لحظة .. وكان في البداية يكتب لي في كلمات مختصرة ماذا أفعل؛ أرسلي فاكس العمرانية، ولا تنسي كذا، وذكريهم بكذا، وموعد كذا .. وبعد مرور شهر واحد فقط أصبح يخاطبني بالكلمات فقط؛ فاكس العمرانية، ثم ينهي المحادثة ..
خايفة بعد مرور شهر كمان يرسل لي رموز؛ ظ: يعني عملاء السلام .. و ق: يعني عملاء المريخ ..
لكنـّني سعيدة جداً بهذا العمل، وقادرة على القيام بأعمال منزلي في نفس الوقت، فأكون بأسلق اللحمة وأنا بابعت الفاكسات، وبأقشر البطاطس وأنا بأرسل بالعروض للعملاء .. وكمان خفـّف قليلا من ضغط المصروفات علينا .. وخصوصاً أن عمر حالته النفسية والمزاجية صعبة جداً بسبب المشروع الذي يصممه ..

قــال عمــر:
“أنا اللي جبت ده كله لنفسي” ..
تدور هذه العبارة دائماً في بالي وأنا أعمل في التصميم الخاص بالمسابقة .. لماذا أدخلت نفسي في هذه المشكلة؟ ماذا لو لم ينجح التصميم؟ أكون ضيعت ذهب سارة وتحويشة العمر بلا جدوى؟ ..
هذه الفكرة عندما أصل لها أكاد أصاب بالجنون، وتجعلني في غاية العصبية .. والمسكينة سارة تقابل كل نوبات غضبي وعصبيتي الرهيبة بالهدوء والاحتمال .. ولا تكاد تمل من التشجيع .. ولا يتوقف أملها أبداً ..
آه لو أرى الدنيا بنظرتها الطفولية المتفائلة، سأفعل المستحيل ..

ولكن علمي بظروف التعاملات التجارية تجعلني أشك في أنهم سيختارونني أنا وسيأخذون أحد الأسماء اللامعة مسبقاً .. عندما أصل إلى هذه النقطة أكاد أبكي مثل الأطفال، وأترك كلّ العمل وأنزوي وحدي .. ولكن ملاكي الحارس تأتيني لتمسح عني كل الاكتئاب واليأس، وتبث في روح جديدة خلاقة تجعلني أعمل من جديد ..
علمت الآن لماذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم يستعيذ من عجز الرجال، وكنت أتعجب من علاقتها ببقية الدعاء .. إن هذا العجز أصعب من كل شيء .. يارب لا تخذلني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين .. أنت وكيلي يارب وأعلم أنك لن تضيعني ..

قــالت ســارة:
“أنا اللي جبت ده كله لنفسي” ..
أتذكر هذه العبارة كلما همّ عمر بالقاء كوب شاي في وجهي إذا دخلت عليه وهو يعمل .. أو وصوته يهدر كالرعد عندما يجد الملح ناقص في الطعام بعض الشيء .. فأغلي من داخلي، ولكنـّني لا أستطيع أن أظهر غضبي منه، بل بالعكس، أهدئه وأضحك معه بأن المرة القادمة ينبهني قبل أن تنفجر القنابل في صوته كي أغلق الشبابيك أولاً .. فيهدأ ويعتذر عن توتـّره الرهيب .. ولكنـّني أخشى عليه من كل هذا .. وأعلم أن الرجال لا يستطيعون التركيز في أكثر من شيء واحد، بعكس النساء .. ولكنـّني أحياناً أستسلم لليأس أنا الأخرى، ولكنـّني لا أشعره به أبداً، بل أشعره انه أفضل مهندس في العالم، وتصميمه ح يكسر الدنيا ..
والمشكلة أنـّني أحمل كلّ هذا الجبل من المسؤولية وحدي، فلم نخبر أيـّاً من الأسرتين بهذا الموضوع كي لا يضغطوا على أعصاب عمر ويتهمونه بتبديد مدخراتي .. وحتى أمي لاحظت أنـّني لا أرتدي سوي دبلة زواجي، فسألتني عدة مرات عن ذهبي، فكنت أرد بمزاح: هو لسه فيه حد يا ماما بيلبس دهب؟ ده بقي مش ستايل خالص ..
وكانت تبتلع إجاباتي مضطرة، وتنظر لي نظرة ذات مغزى وكأنها تعلم كل شيء ..
يا رب كن معنا .. نحن ضعاف وأنت قوتنا .. نحن خائفون وأنت ملاذنا .. نحن صغار وأنت وكيلنا ..
-
-
“سارة .. سارة .. سارة .. إلحقي يا سارة تعالي بسرعة ..”
قمت من مكاني منتفضة على صوت عمر المدوي والذي يرقص من الفرح وأنا أتساءل: خير خير .. فيه إيه يا حبيبي؟
رد عليّ قائلاً: كلمت سكرتير الشركة الجديدة لأطمئن على الأحوال، فبشرني أنـّهم نظراً لضخامة المشروع سيأخذون أفضل ثلاثة تصاميم، وليس تصميماً واحداً ..
فرقصت من الفرحة وأنا أصرخ: بجد؟!! الحمد لله .. الحمد لله .. كده فرصتك بقت كبيرة أوي ياعمر .. يالا شد حيلك وبلاش كسل ..
فقال بصوت ينفجر حماسة: أيوة فعلاً مفيش وقت خلاص .. والله يا سارة مش عارف من غيرك كنت ح أكمل ازاي .. لو كنت لوحدي كان زماني يئست وسبت الموضوع كله .. ربنا يخليكي ليـّا ..إ نتي استحملتيني كتير أوي ..
فرددت بفخر: بس خليك فاكرها!! يا حبيبي إنت مستهين بناس ربنا وكيلهم؟ إزاي يعني؟ وبعدين إنت بجد عبقري .. وبكرة تقول سارة قالت ..
فهمس لي بنظرة ذات معنى: بجد؟ يعني إنتي شايفة كده؟
ففهمت ماذا يقصد وقلت له بلهجة آمرة: يالا يا سيدي مفيش وقت للدلع، عاوزاك تشتغل زي النار .. يالا إنت لسه قاعد؟ إيه الرجالة اللي ما بتسمعش الكلام دي؟ ولا عاوزني أزعق لك قدام إبنك؟
فوضع يدي على بطني المنتفخة وكأنه يشرك إبننا في الحديث معه: والله إنتوا الإتنين وش الخير عليّ .. وأنا حاعمل المستحيل علشان أسعدكم ..
وتركني وانصرف لعمله .. وتلمست بطني كأنـّني ألمس صغيري وأعتذر له أنـّني إنشغلت عنه .. وأخذت أناجيه وأحكي له عن كل ما يشغلني و كل ما أشعر به تجاهه كما أفعل دائماً .. وكيف لا وهو يشاركني نبضي؟
ترى يا صغيري ماذا سيكتب لنا الله؟
هل سنحقق نجاحا كأسراً ونحقق أحلامنا؟
أم ……..؟

دخلتُ في شهري التاسع، أصعب شهور الحمل على الإطلاق، وأخبرنا الطبيب أنـّني حامل في ذكر .. انتفخ جسدي، وتورمت قدماي، وأصبحت أسير بصعوبة من ثقل الجنين .. سبحان الله .. هل لابد من كل هذا العذاب كي تشعر الأم بغلو إبنها؟
أعتقد أنّ هذا هو السبب .. أتخيل لو لم يكن هناك حمل وتعب رهيب وتذهب الأم إلى المستشفى وبعملية بسيطة مثل اللوز مثلاً تستيقظ لتجد إبنها بجوارها أكيد لن يعجبها وستصرخ في الطبيب: إيه ده؟ ماله أسمر كده؟ لا شوف لي واحد مقلّم ..
لكن عندما ينمو بجوار قلبها يوماً بعد يوم، ويشاركها الأنفاس والطعام والنبض والنوم وكل شيء، أكيد لو خيروها بينه وبين عيونها لاختارته ..
ويا رب صبرني على هذا الجهد .. فلا أكاد آكل أي شيء إلا وشعرت بنار داخل جوفي تحتاج المطافي من ضغط البيبي على المعدة .. ولا أستطيع النوم على ظهري إلا وشعرت بأنفاسي تكاد تختنق من ضغطه على الرئتين .. ولا أستطيع المشي إلا وأشعر أن قدماي المنتفختان تئن من ضغط الباشا عليهما .. طيب أروح فين يارب من هذا الإحتلال لكل جسدي؟ ولكنه أجمل احتلال ..

قــال عمــر:
أووووووووووف .. أخيراً سلّمت المشروع، والنتيجة بعد أيام .. أشعر مثل طلاب الثانوية العامة الذين ينتظرون نتيجة الفيزياء .. يارب يعدي الأيام دي على خير ..
أنا متفائل إن لجنة التحكيم من الأجانب الذين لا مصالح ولا مجاملات لهم في هذا البلد .. فقط الجودة والإتقان هما اللذان سيحددان النتيجة ..
ياااااه لو اختاروا مشروعي أنا سأفعل المعجزات .. سأتصدق بمال كثير، وأعمل صدقة جارية لينا كلـّنا، وسأعوض سارة كل ذهبها الذي باعته، وأكثر كمان .. وسأشتري لها هدية رائعة على صبرها معي .. وبعد الولادة سآخذها هي والبيبي في رحلة في جنوب سيناء لأعوضها الضغط الذي عاشته معي .. ونعيش شهر عسل جديد .. وسأشتري هدايا لأبي وأمي ..
طيب وشركتي القديمة هل سأستقيل منها أم آخذ أجازة فقط حتى تستقر الأمور؟ يااااه معقول كل حياتي تتغير بهذا الشكل؟
يارب كن معي ولا تخذلني أمام أهلي وأمام نفسي يارب يارب ..

قــالت ســارة:
هل مفروض الأم تكون وجدت كنز سليمان قبل أن تشتري لوازم المولود؟ .. ما هذا الغلاء الفاحش؟ .. معقول ببرونة من ماركة معينة تتجاوز ثمنها 50 جنيه؟ وأقل بطانية بـ 70 جنيه؟
وأنا كنت فاكرة الجمعية اللي عملتها من مرتبي، وطبعاً قبضتها الأول، ستكفي وتفيض .. لا وأنا كنت متخيلة إن الأشياء التي أشتريتها طوال الحمل للبيبي هي الأساس وباقي أشياء لا تذكر .. ولكن أتضح أنـّني كنت أشتري تبع إعلانات التليفزيون؛ شاور علشان حمام البيبي .. لوشن مرطب لبشرته الرقيقة .. أيس كاب لشعره .. والحمد لله إني اشتريت كام فانلة وسالوبيتين علشان الواحد يقول الحق ..
كنت أظن أنـّني اشتريت أغلب الأشياء حتى كلمتني أمي في التليفون وسألتني عما اشتريته للمولود، فرديت بمنتهي الثقة: خلاص ياماما، كله تمام .. فاضل حاجات بسيطة أوي ..
ردّت ماما وقالت: ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي .. طيب اشتريتي 12 فانلة نص كم و12 بكم؟
فرددت باستغراب: ليه يا ماما؟ أنا جبت 3 كت بس ..
فردّت بجزع: تلاتة؟!!.. ده طول النهار حيغير هدومه .. وكمان كت؟ .. يا مفترية في البرد ده؟ طيب جبتي الشايات؟
فصرخت: مين يا فندم؟ يعني إيه الكلمة دي؟ بتوع إيه؟ .. أنا لو أعرف أقول على طول يا بيه؟
فردّت بتأفف: دول بيتلبسوا تحت الهدوم علشان يدفوا صدره يا ستي .. طيب جبتي البافتات؟ وقبل ما تسألي دول علشان لو رجـّع بعد الرضاعة ولا حاجة؟
وأحسست بدوار شديد وخوف من التوبيخ الذي سأسمعه حالاً، فألقيت بإجابتي وبعـّدت السماعة عن أذني كي لا أسمع: لا إن شاء الله مش ح يرجـّع يا ماما .. وبعدين ممكن أستعمل كلينكس ولا حاجة ..
صرخت ماما في وجهي قائلة: ………….!!!؟ (((محذوف للرقابة)))
فخفت على أمي من الذبحة المتوقعة التي ستصيبها من ردودي، فقلت لها: يا ماما هو أنا عندي عشر عيال؟ ح أعرف الكلام الغريب ده منين؟ .. قولي لي أشتري إيه وأنا أكتبه وأجيبه .. يالا قولي ..
فأخذت أمي ترصّ قائمة طويلة عريضة بها ألف طلب وطلب، وكأني سألد حضانة وليس طفلاً واحداً .. وأنا أكاد أبكي من كل هذه الكوارث .. ياترى لو بعت أوضة السفرة سيكفي ثمنها؟
والغريب أنـّها لم تذكر “اللوشن المرطب” ولا “الآيس كاب” اللذين اشتريتهم بالفعل.!!!!
حاولت أن أنهي المكالمة بانتصار على أمي أنها نسيت شيئاً هاماً جداً، وقلت بمنتهي الثقة والفخر: نسيتي يا ماما أهم حاجة .. أنا بقى ما نسيتهمش، واشتريتهم فعلاً: اللوشن والآيس كاب ..
فبدأت أعراض الذبحة تظهر عليها، وقالت لي بصوت واهن: إقفلي يا سارة السكـّة قبل ما أقفل في وشـّك أنا..!!

استيقظتُ من نوم متقطع بعد العصر بقليل، وخرجت لأكمل ختمة القرآن التي بدأتها كي لا تفاجئني الولادة قبل أن أنهيها، لأجد منظر غريب طار له قلبي ..
وجدت عمر نائماً على كنبة الصالة بكامل ملابسه حتى بالحذاء .. ويخفي وجهه بين يديه بإحكام .. والظلام يحيط به من كل جانب .. فأضأت الأنوار .. وتلمست جبينه لأجده غارقاً في عرقه .. وليس نائماً كما ظننت .. ولكنه شارد النظرات لا يريد أن ينظر إلي ..
فجذبت وجهه إلي وصرخت في جزع: عمر إنت تعبان؟ .. مالك فيه إيه؟ .. إنت كويس؟
عمـر: ………!!!؟
أنا: يا عمر رد عليّ أرجوك .. فيه إيه .. أنا أوّل مرة أشوفك كده .. فيه إيه؟
فردّ بصوت واهن لا يكاد يـُسمع: نتيجة المشروع ظهرت ..
ففهمت كلّ شيء بدون أن يكمل .. وفهمت أنهم لم يختاروا مشروعه .. فسقط قلبي في قدمي .. ومادت بي الدنيا ..




ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الخامسة عشرة

قــالت ســارة:
بدت صالة منزلنا المتواضع مثل ساحة القتال .. ولكنـّه قتال من نوع خاص هذه المرة .. بدأ بنظرات نارية من حماتي لي .. وأعقبها مصمصة للشفتين، مدعمة بأسلحة دمار شامل من كلمات موجـّهة لي تحرق الدم لأن عمر صالحني ولم يستمع إليها .. وعلى الجانب الآخر من الجبهة كانت أمي تحمل الراية وتوجه مدافعها الرشاشة إلى عمر هذه المرة، لأنه تجرّأ وأغضب القطة الوديعة مغمضة العينين اللي هي أنا .. وكدت أبكي في لحظات كثيرة .. وكاد عمر ينفعل في أوقات أكثر .. ولكنـّنا أخذنا عهداً على أنفسنا قبل أن نعزم الأسرتين على العشاء أنـّنا نبتغي رضا الله من رضاهم، وسنستحمل أي كلمة أو غضب من أحد الطرفين، حتى نمتص شحنة الإنفعال التي تسكن الصدور، وتعود الأمور إلى طبيعتها الأولى ..
وكنت عندما أرى الأمور ستشتعل بين ماما وحماتي أبادر عن الحديث عن البيبي، وكيف أن الحمل متعب جداً، وأنـّني أنام كثيراً جداً ولا أطيق الأكل .. ولكن للأسف كان هذا يأتي بنتيجة عكسية بالطبع مع حماتي لأني: باتدلع على إبنها .. فيغمزني عمر عندما ينقلب وجه أمه من كلامي، وكأنه يقول لي: جيتي تكحليها عميتيها ..

قــال عمــر:
يااااااا ساتر .. أخيراً عدّت السهرة على خير .. دي ولا مفاوضات إسرائيل .. بس كنا يعني حنعمل إيه، حنسيبهم زعلانين مننا؟ المهم إنهم نزلوا هاديين وأحسن من الأول بعد ما فرغوا كل شحنة النكد والعتاب عليّا أنا وسارة .. بس الحمد لله إنهم كده راضيين عننا، علشان ربنا يرضى عننا .. وأحلى حاجة عجبتني موقف الرجال؛ والدي وحمايا من الحدوتة .. أخذوا ركن وقعدوا يلعبوا طاولة، وكل واحد ساب مراته تفرغ قنابلها علينا حتى ترتاح .. واضح إن القنابل دي كانت بتنزل على دماغهم هم فحبوا يرتاحوا شوية ..

قــالت ســارة:
ياااااااااااه ده أنا نمت كتير أوي .. السهرة إمبارح إمتصت كل طاقتي في الإحتمال .. همّ نزلوا من هنا ونمت فوراً بدون مقدمات .. واضح إن عمر نزل الشغل من غير ما يصحيني، وتخلى عن فطاره المتين!! موضوع الحمل ده جه على حساب عمر، وهو كمان حنين جداً وخايف عليّ إني أتعب نفسي في أي حاجة، وأنا طبعا ما صدقت، سايقة الدلع على الآخر، بأستغل الفرصة لآخر نقطة:

“أف دي ريحتها مش حلوة، شيلها بسرعة” .. “لا مش قادرة أطبخ النهاردة هات أكل معاك” .. “سوق بالراحة علشان البيبي” .. “مزاجي مش رايق، عاوزة أخرج حالاً” .. “نفسي في أم الخلول دلوقتي” .. والغريبة إنه مش متضايق ،ومحسسني إني ح أخلف صلاح الدين الأيوبي ولاّ قطز .. وعاطفته ناحيتي أصبحت أعمق وأهدأ .. بيتكلم عني وكأني لست فرد واحد بل عائلته كلها .. اللهم إجمعنا سوياً على حبك ولا تفرقنا أبداً ..

قــال عمــر:
من ساعة ما سارة سابت الشغل والمصاريف بقت نار، ولسه المدير لم يعطي رأي نهائي في موضوع وظيفة الرد على العملاء من خلال الإنترنت، ولسه متخوف من الفكرة .. يارب يوافق علشان يحل أزمتنا دي يارب .. وخلاص تعبت من فكرة الإقتراض من والدي .. أمتى بقى أقدر أعتمد على نفسي وما أحتاجش لحد تاني؟
يارب إفتح لنا أبواب رزقك الحلال، وأغننا من حلالك ..

قــالت ســارة:
رأيت فكرة مشروع ممتاز على الانترنت، يطلبون تصميم هندسي لمدينة ألعاب ترفيهية تعليمية للأطفال .. وصاحب أفضل تصميم سيأخذ مكافأة سخية، وأيضاً سيعيّن المستشار الهندسي للشركة .. وهي شركة مقاولات متعددة الجنسيات، وراتبها أضعاف ما يتقاضاه عمر ..
عرضت عليه الفكرة فعجبته جداً، وأمضى ساعات على موقع الشركة وهو متحمس جداً لاقترابه من حلمه بالخروج من دوامة عمله الروتيني إلى دائرة الإبداع التي يتمناها، وكان مميز جداً بها في كليته، ولا تتيحها له شركته .. وكان يقضي الساعات يشرح لي أفكار المشروع وأحلامه لو أخذوه هو في هذه الوظيفة الرائعة، وكيف ستتحول حياتنا الى شيء آخر ..
وفجأة وجدته فقد حماسه وانكسر، ولا يتحدث في الموضوع ولا يدخل إلى موقع الشركة .. وعندما سألته عما حدث أجابني بإحباط: خلاص يا سارة، واضح إن الموضوع ده مش لينا ..
قلـت: ليه ياحبيبـي التشاؤم ده؟ إيه اللي حصل ده؟ .. إنت كنت متحمس جداً ..
قـال: لما حسبتها لقيت إنهم عاوزين تأمين لدخول المشروع، حوالي 5 آلاف جنية .. وكمان أنا ح أحتاج معدات تصميم وأدوات ومراجع بمبلغ كبير .. حنجيب ده كله منين؟
قلـت: ياسيدي ربنا يحلها من عنده .. بس بلاش الإحباط ده كله ..
فرد بيأس وانكسار: وبعدين يا ستي يعني هم ح يسيبوا كل الناس اللي متقدمين وياخدوني أنا؟ يعني أنا أزيد إيه عنهم؟
فرددت بحماس: إنت تزيد عنهم إنـّك عبقري وحسـّاس، وبتشوف الأشياء بمنظور خاص بيك، وإنت بنفسك ياما قلتلي إن زمايلك ومديرك نفسه قالوا إن تصميماتك عبقرية، بس محتاجة تمويل كبير .. وبعدين هو أي واحد من الناس الكبار إبتدا حياته إزاي؟ ماهو أكيد كان صغير زيك كده، بس عنده ثقة في موهبته فكبر بيها .. إنت مش عارف قيمة نفسك يا باشمهندس ولا إيه؟
إنتقل الحماس إليه شيئاً فشيئاً ورد وقال: ياستي ربنا يكرمك، بس أنا حآجي إيه جنب كل الناس اللي حتقدم دي؟ مش معقول ح ياخدوني أنا ..
قلـت: أهي هيّ دي محبطات الأعمال اللي الرسول عليه الصلاة والسلام إستعاذ منها .. ياسيدي إعمل اللي عليك واجتهد، والتوفيق على الله .. وبعدين نسيت سلاح ساحر إسمه الدعاء؟ ده يخليك تهزم أي حد قدامك، وتنتصر عليه كمان ..
إستعاد ثقته بنفسه، وتلون صوته بالأمل، ولمعت عيناه وهو يقول: يعني إنتي شايفة كده؟
فرددت بسعادة: طبعاً .. أنا مؤمنة بموهبتك جداً .. يالاّ توكل على الله وابدأ وابذل كل جهدك، ولن يضيعك الله أبداً .. وبكرة تقول سارة كان عندها حق..
إحتضنني بسعادة وهو يقول: ربنا يخليكي ليّا وتفضلي على طول جنبي كده ..
ثم أبعدني عنه عندما تذكر أمراً يؤرقه: طيب والفلوس حنجيبها منين؟ وإنتي عارفة والدي خلص كل مدخراته على جوازنا ..
فرددت بثقة في الله: ما تخافش .. ربنا ح يحلها من عنده ..

في الصباح بعدما ذهب عمر إلى عمله ذهبت في مشوار سري إلى الجواهرجي، وبعت كلّ شبكتي وذهبي قبل أن أتزوج، ولم أترك إلا دبلة زواجي لأن عليها اسم عمر .. يارب المبلغ ده يكفي المشروع .. أكيد عمر حيرفض في البداية، بس ح احاول أقنعه .. بس يارب ما يعملهاش مشكلة
وفي طريق عودتي أخذت جزءاً بسيطاً من المبلغ واشتريت به لحم ودجاج وخضار وفاكهة يعوضنا عن حياة القحط التي نعيشها منذ تركت عملي .. سأعد لعمر وليمة اليوم ..
وعندما دخل عمر البيت وشم رائحة اللحم الشهي ظن أنـّه أخطأ العنوان، لأنه ترك البيت وليس به إلا معلبات .. ثم عندما تأكد من العنوان صرخ مثل طرزان وقال: في بيتنا لحمة يا رجالة؟!! جبتي منين الممنوعات دي يا مدام؟
بلعت ريقي وأنا أتمتم بالمعوذتين في سري، وأخذته لغرفة النوم ليغير ملابسه أولاً وهمست له: مش ح أقول لك إلا لما تقول لي مبروك الأول ..
رد بإبتسامة كبيرة: مبروك يا ستي، إنتي حامل تاني ولا إيه؟
قلـت: يا غلاستك .. لا ياسيدي .. ح أدخل مشروع كبير أوي مكسبه مضمون جداً ..
قـال بغضب: عاوزة تشتغلي تاني ياسارة؟
رددت بدلال: لا يا سيدي، إنت اللي حتشتغل عندي ..
فعقد جبينه وتململ: سارة أنا تعبان ومش رايق للحواديت دي .. قولي فيه إيه؟
بلعت ريقي هذه المرة بصعوبة وقلت: طيب أنا ح أقولك .. بس إهدى كده وفكر الأول قبل ما ترد .. بص ياحبيبي: أنا بعت كل دهبي علشان أوفرلك الفلوس اللي إنت محتاجها للمشروع بتاعك ..
صرخ بعنف وقد تطايرت كلمات الغضب منه: إييييييييييه؟ عملتي إيه؟ إزاي تعملي كده قبل ما تستأذنيني؟ إنتي بتهرجي؟
وضعت يدي على فمه واستحلفته أن يتركني أشرح له: هو أنا عمري عملت حاجة من غير ما أستأذنك يا عمر؟ بس دي ما كنتش حتوافق أبداً عليها .. كان لازم واحد فينا يتحرك قبل ما الفرصة تضيع مننا .. وأنا ياسيدي مش لازمني الذهب ده في حاجة دلوقتي .. وبكرة لما ربنا يفرجها عليك تجيب لي الماس بداله يا سيدي ..
رد بعصبية: برضه كان لازم تستأذنيني الأول ..
قلـت: حقك عليّا .. أنا آسفة .. بس أنا كمان عاوزة حياتنا تتغير، وعاوزاك تكبر .. ويا سيدي لو كنا جينا من برة مرة لقينا الشقة إتسرقت وفيها كل ذهبي كنا ح نعمل إيه يعني؟ مش ح نستعوض الله؟ إعتبره اتسرق ولا ضاع وخلاص ..
رد بعناد: بس أنا كرامتي ما تسمحش إني آخد فلوس من واحدة ست ..
فحككت رأسي علامة التفكير: يااااااا ربي .. أنا شفت الفيلم ده فين قبل كده؟؟ في أي سينما؟ .. ست مين ياحبيبي؟ ده أنا مراتك .. والخير اللي ح يجيلك ح يجيلي أنا كمان .. وبعدين ماهي السيدة خديجة كانت بتساند الرسول عليه الصلاة والسلام بمالها .. إنت يعني أحسن منه؟
فهدأ ولان لمنطقي وقال باستسلام: لا طبعاً .. بس دي تضحية كبيرة منك يا سارة وأخاف أخذلك ..
إبتسمت وقلت: ولا تضحية ولا حاجة .. هو احنا لما نبني حياتنا نبقى بنضحي؟ وبعدين أنا مؤمنة بموهبتك جداً جداً جداً .. وعندي يقين إن ربنا ح يكرمك .. بس إنت يالاّ أبدأ وبلاش كسل ..
أشرق وجهه بالأمل والحب معاً وهو يضمني إليه ويقول: جميلك ده طوق في رقبتي .. ربنا يقدرني ويوفقني علشان خاطرك إنتي يا حبيبتي ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الرابعة عشرة

قــال عمــر:
خفق قلبي بقوّة عندما رأيت سارة تدخل الصالون، كما كنت أفعل حين أراها أيام الخطوبة .. يا حبيبتي يا سارة، واضح أنـّها لم تنم مثلي، ووجهها متعب جداً .. لن أغضبك أبداً يا حبيبتي ..
وقطعت حبل أفكاري لأسترد وعيي ولأقول للجميع ما نويت عليه: أنا جاي النهاردة علشان أعتذر عن الكلام اللي قالته والدتي ليكم، وأنا باعتذر بالنيابة عنها، لأنـّني لا أقبل المساس بكرامة سارة، لأن كرامتها من كرامتي .. بس أنا جاي علشان كده .. وبعد إذنكم أستأذن لأن عندي مشوار مهم ..

قــالت ســارة:
قفز قلبي بين ضلوعي من الرعب .. ألن يصالحني عمر؟ .. طيب وبعدين؟ ..هل سيمشي حقاً؟
همـّت والدتي أن تلقي عليه مدفعية من العيار الثقيل، وما أن فتحت فمها حتى عرف أبي نيتها وعلم أنها ستشعل الوضع فقاطعها بصوت حازم: إيه يا حجـّة مش حتعملي قهوة للباشمهندس ولا إيه؟ .. ونظر لأمي نظرة نارية جعلها تنسحب في صمت ..
ثم استأذن هو الآخر ليجري مكالمة تليفونية طويييييييييييلة .. ربنا يخليك لي يا بابا ..
نظرت إلى عمر من طرف خفي بشوق .. آه كم أعشق هذا الرجل، وكم كبر في نظري عندما اعتذر عن كلام والدته السخيف .. أنا فعلا غلطانة غلطانة غلطانة ..

وأخيراً تكلـّم عمر ونظر إليّ بعتاب كبير لم أره من قبل: كويس كده إنّ الناس بتتفرج علينا؟ وإنتي اشتكتيني للجميع وأنا لم أحكي حتى لأمي؟
أنا: ………!؟
عمـر: أنا فعلاَ غلطان إني زعـّقت وكبـّرت الموضوع، بس إنتي بعتيني وسبتي البيت، وأنا مش ح انسي ده أبداً ..
رديت عليه هذه المرة: أنا غلطانة فعلاً .. بس أنا متعودة منك أنك تحتويني وتطبطب عليّا .. فجأة لقيتك بتهاجمني وأنا ميتة من التعب .. إتجننت .. أعمل إيه؟ ووالدتك كمان قالت كلام رهيب ..
ردّ بعصبية: خلاص أنا اعتذرت عن كلامها، أعمل إيه أكتر من كده؟ بس لازم تعرفي إني مش ح اسمح بالوضع ده تاني .. لو عاوزة تزعلي مني إبقي إقفلي على نفسك أوضة النوم واعتبري نفسك سبتي البيت

.. مش نفرّج علينا الناس كده؟
رددّت بخجل وقد بدأت دموعي تنساب: خلاص أنا كمان غلطت يا عمر ..
لانت ملامحه برقـّة وقال لي بحنان: طيب إيه لازمة الدموع دي دلوقتي؟ ما تعيّطيش علشان ما تتعبيش يا سارة .. وبعدين كده أهون عليكي وتسيبيني لوحدي؟
فهممت أن أعاتبه ثانية، فدخل والدي وهو يبتسم إبتسامة حنون وكأنه سمعنا، وقال لي: يالاّ يا سارة من غير مطرود، قومي إلبسي هدومك علشان تروحي مع جوزك يا حبيبتي .. ومش عاوزين نشوفكم هنا إلا مع بعض .. مفهوم؟

قــالت ســارة:
وأخيراً دخلتُ بيتي وكأنـّني تركته من عشر سنين .. شعور رائع بالدفء غمرني عندما أحاطتني أركانه .. كم كنت غريبة خارجه، لن أتركه ثانية إن شاء الله ..
والتفت إلى عمر وأنا أتوقع خناقة طويلة، أو أوامر لا حصر لها، لأنه لم ينطق بكلمة في السيارة طوال الطريق، وشكله ينذر بعاصفة لا حدود لها .. ونظرت له صامتة أنتظر ما سيقوله ..
إنتظرت طويلاً حتى رفع رأسه لي أخيراً وقال لي جملة واحدة بحزم رهيب: أنا مش ح أسمح باللي حصل ده إنـّه يتكرر تاني، ولو مش عاوزة تسمعي كلامي بعد كده في أي موضوع يبقى مفيش لازمة نكمل مع بعض .. ثم تركني ودخل غرفته الصغيرة التي تحتوي على سريره القديم وهو شاب، ولم يدخل غرفة نومنا ..
ذهلت من عبارته القاسية، وارتجفت من القلق .. لم أتخيله غاضباً إلى هذا الحد .. لقد اعتدت منه على الغضب ثم الصفاء السريع، ثم يبادر هو لصلحي حتى لو كنت مخطئة .. إعتدت على حنانه حتى تماديت في عنادي، والآن أدفع الثمن ..
لم أجرؤ أن أدخل وراءه وأناقشه، وتركته ليهدأ .. ودخلت غرفة نومي وحاولت النوم قليلاً ولم أستطع، فالغرفة من دونه كأنها غرفة في الأسكيمو .. عرفت الآن لماذا جعل الله الهجر في المضاجع وسيلة لتأديب الزوجة .. ومرّت أيام ونحن على هذا الحال، لا يكلمني إلا كلمات معدودة، ولا ينظر إلى عينيّ وهو يحادثني .. آه ما أقساه من عقاب ..
حاولت مراراً أن أفتح معه الموضوع لأشعره أنـّني أخطأت، وأنـّني كنت متوترة من الحمل، وأنـّني لن أفشي أسرارنا ثانية أبداً .. بلا جدوى ..
كان لا يسمع، ويجعلني أصمت بحزم واضح .. حاولت أن أثنيه عن النوم في غرفة أخرى، بلا فائدة .. وكان يعود يجدني متزينة ومتعطرة، ولكن كأنـّني ألبس طاقية الاخفاء .. ماذا أفعل ياربي؟ .. ومازاد المشكلة أن ماما زعلانة مني لأنـّني رجعت إلى منزلي دون أن أجعلها ترد لي حقي وتقتلّي عمر وأمه .. وطبعاً حماتي لا تتـّصل أبداً، وشعرت أنـّها هي الأخرى زعلانة من عمر ومني طبعاً .. يعني إحنا كده كلنا عاوزين مجلس الأمن يصالحنا مع بعض ..

قــال عمــر:
لابد أن تعلم سارة أنـّني لا أقبل أن تستهين بي، ولابد أن تسمع كلامي .. الظاهر إنـّي دلعتها كتير، وهي اتعودت على كده .. لابد من وقفة حتى تستقيم الأمور ..
بس كده أنا حاسس إني بأقسو عليها جداً .. لا والله .. لا يمكن تكون قسوة .. فالرسول صلى الله عليه وسلم إعتزل زوجاته في المسجد عندما أثقلوا عليه في أمور الغيرة والإختلافات الصغيرة، حتى عادوا إلى سابق عهدهم ..
بس هيّ صعبانة عليّ جداً، ووحشاني جداً جداً .. لااااا .. إجمد ياعمر باشا وكمل دور سي السيد، واستحمل النوم على السرير السفاري الجبار ذو المرتبة الفولاذية لحد ما ربنا يسهـّل ..

قــالت ســارة:
طيب الشغل وأخدت أجازة منه.. وكلام وبأحاول أكلمه .. أعمل إيه تاني؟ .. الظاهر إني غلطت لما صالحته .. خلاص هو حر أنا عملت اللي عليّا .. عاوز يزعل براحته بقى ..
بس هو حبيبي برضه، وبافتكر لما بأكون أنا زعلانة منه بيعمل إيه علشان يصالحني .. يبقى أنا ما أتعـّبش نفسي شوية علشان أصالح حبيب عمري؟ أمال أتعب نفسي علشان مين؟!! .. أعمل إيه .. أعمل إيه؟
واخذت أفكر وأنا ألعب على الكومبيوتر لقطع الوقت حتى يأتي عمر .. ووقعت عيني على الطابعة وأنا ألعب، وفكـّرت أن أكتب له جواب اعتذار وأشرح فيه مشاعري له .. ولكنـّني وجدت فكرة أفضل ..
أخذت أكتب كلمة أنا آسفة بكل اللغات التي أعرفها: آسفة بالعربي، وسوري بالإنجليزي، وباردون بالفرنساوي، وأيّوووه حقك علينا يا جدع بالاسكندراني، ومعلهش بالصعيدي .. وأخذت أطبع من هذه العبارات الكثير، وطبعا لم أنسى أن أكتب عبارات جميلة مثل: والله العظيم بحبك .. و: ما كنتش أعرف إنـّك قاسي كده .. و: طيـّب أهون عليك؟!! .. وكتبت لوحتين كبيرتين علقت واحدة على باب حجرة نومه الصغيرة التي أكرهها وكتبت عليها: ممنوع الدخول .. والأخرى على باب غرفة نومنا معاً وكتبت عليها: الإتجاه إجباري .. وأخذت أعلـّق كل هذه الأوراق في كل مكان .. أكيد حيقول عليّا مجنونة لما يشوف المهرجان ده كله .. بس يمكن الجنان يصلـّح الشرخ اللي حصل بيننا ..
وانتظرت عمر طويلاً حتى جاء .. وطبعا ذُهل من دار النشر اللي أنا عاملاها في البيت .. ونظر إليّ وابتسم ابتسامة عريضة لم أرها من أيام طويلة .. فجريت إليه وتعلقت برقبته كالطفلة الصغيرة، وهمست في أذنه: مش ح اعمل كده تاني .. أنا ما أقدرش أعيش وإنت زعلان مني كده ..
ضمني إليه وقد زال كل غضبه، وجلسنا وقال أخيراً وهو يبتسم: إنتي حتفضلي مجنونة كده على طول؟ كل ده عملتيه علشان تصالحيني؟
قلت بدلال: يعني انت مش زعلان مني .. مش كده؟
قال: أنا مقدرش أزعل منك خلاص .. بس لسـّه فيه نقطة صغيرة؛ موضوع الشغل ده أنا مش ح أرجع في كلامي فيه .. لا يمكن أعرضك للخطر إنتي وإبني تاني .. إنتو الإتنين أغلى حاجة عندي .. إتفقنا؟
هممت بالإعتراض، ولكنـّني لم أستطع، وقلت على مضض: حاضر .. بس أنا ما اتعودتش على قعدة البيت يا عمر .. بجد ح أموت من الملل، وبعدين حنلحـّق على مصاريفنا منين يا حبيبي؟
قال: بصي .. أنا فكـّرت في حل يريحنا كلنا .. بس إدعي ربنا إنـّه يحصل .. فيه واحد عندنا في الشركة كل شغله إنـّه يرد على العملاء من خلال الإيميلات، وإنـّه يجري أبحاث على النت ليحصل على أفضل عروض للشركة، من خلال مقارنة مواقع الشركات الثانية بشركتنا .. يعني كل شغله على الإنترنت .. وكتير ماكانش بييجي ويبعت التقارير دي من البيت .. لأنه بيؤدي المطلوب منه وخلاص، لأن وجوده في الشركة غير ضروري .. هوّ الأيام دي جاي له عقد عمل في الخليج، وبيفكر جدياً إنـّه يوافق عليه .. فلو ده حصل ح أحاول أقنع المدير إنـّه يسلـّم الشغل ده ليكي تعمليه من البيت .. وح أقنعه إنـّك ولا بيل جيتس في زمانه .. هو صحيح راتبها أقل من مرتبك القديم، بس ح تترحمي من بهدلة المواصلات .. قولتي إيه؟ أقول له ولا إنتي مش موافقة؟
رددت بفرح كبير: مش موافقة؟؟!! دي وظيفة تجنـّن .. بس يارب صاحبك يسافر والمدير بتاعك يوافق .. بس مين ح يعلمني الحواديت دي كلها؟ أنا بأعرف أشتغل على الكومبيوتر والنت كويس بس ما أعرفش العملاء والمنافسين والأفلام دي؟ مين اللي ح يعلمني؟
وكان رده جاهز على طول: أنا يا حبيبة قلبي ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الثالثة عشرة

قــالت ســارة:
عندما وصلت لباب بيت والدي أحسست أنـّني أفقت من نوبة الجنون التي كانت تتملكني، وكأن إنسانة أخرى هي التي كانت تتحدث وتصرخ .. أحسست أنـّني هدأت وأفقت، وترددت هل أضرب الجرس أم لا .. معقول .. طيب أرجع؟! وحيبقي شكلي إيه أمام عمر؟!! .. طيب إزاي ح أحكي لماما وبابا وإخواتي والدنيا كلها مشاكلي مع عمر بهذه البساطة؟ بس هو باعني وغروره منعه إنه حتى ينده عليّا .. إنهمرت دموعي ثانية عندما تذكرت هذا ورننت الجرس .. صرخت أمي عندما رأتني في هذا الحال المرعب شاحبة منهكة، عيناي مصبوغة بلون الدم، ووجهي متورم من كثرة البكاء، وقالت: إيه يا سارة يا حبيبتي مالك؟ فيه حاجة حصلت للبيبي؟ .. فقلت في سري: هو كل الناس بتسأل على البيبي وأنا أتحرق؟ .. ولم أستطع الرد، ودخلت البيت وارتميت على أقرب كرسي، وجاء أبي واحتضنني وهو يقرأ على رأسي آيات من القرآن ويهدهدني كالطفلة الصغيرة .. آه لو يعامل كل رجل زوجته كأنها ابنته، لعاشت النساء في الجنة .. وكأنه علم ما بي بدون أن يسأل، فأمر أمي أن تأخذني إلى غرفتي القديمة لأستريح .. هكذا بدون أن يسألني سؤال واحد، بعكس أمي التي انهالت عليّ بالأسئلة من ساعة ما دخلت الشقة ..

ودخلت غرفتي القديمة، وأحسست بغربة أول ما دخلتها .. وللحظة شعرت ببرودة شملتني، واشتقت لدفء شقتي .. كيف أشعر هكذا وهذه هي غرفتي التي ضمتني لأكثر من عشرين عاماً؟!! .. سبحان الله .. وأفقت على صراخ أمي لي: يا سارة وقّعتي قلبي قولي إيه اللي حصل؟ إنتي اتخانقتي إنتي وعمر؟
قلت: أيوة يا ماما .. وسبت له البيت ..
فدقت على صدرها بجزع وقالت لي: ليه كده يا بنتي؟ .. هو فيه واحدة عاقلة تعمل كده؟ طيب أنا متجوزة أبوكي من 25 سنة، عمرك شفتيني سبت له البيت ومشيت؟!

هو ده اللي أنا علّمتهولك؟
فوجئت بموقف أمي المهاجم، وكنت أتخيل أنها ستصب جام غضبها على عمر، واضطررت أن أحكي لها كل شيء .. وانتظرت رد فعلها، فسكتت طويلاً وردت على بهدوء: عاوزة رأيي؟ .. إنتوا الإتنين غلطانين، وإنتي غلطانة أكتر ..
فرددّت بغضب: ليه بقى؟ .. يبقي أنا عاملة حادثة وبأموت وييجي يزعق لي ويهددني كمان؟
قالت ماما: إهدي يا سارة يا حبيبتي .. أنا ح أقول لك إنتي غلطانة ليه .. أولاً علشان سيبتي بيتك .. وثانياً لأنك من أول الحمل وإنتي عصبية جداً ومش بتطيقي كلمة واحدة، فكبرتي الموضوع بدون داعي .. أنا عارفة إن ده غصب عنك، بس لازم تهدي شوية .. وكمان إنـّك كل شوية تقوليله باساعدك باساعدك ودي حاجة تجرح كرامة أي راجل، فعاند معاكي هو كمان ..
قلت أنا: ياسلام .. يعني طلعت أنا اللي غلطانة وعمر باشا هو الغلبان المظلوم ..
قالت ماما: لا يا ستي .. هو كمان غلطان إنـّه عاند معاكي، وإنـّه سابك تنزلي وإنتي زعلانة كده .. بس أنا مش عاوزة أتدخل علشان ما أكبرش الموضوع .. إقعدي ارتاحي شوية، وبعدين إرجعي بيتك علشان الموضوع ما يكبرش ..
فنظرت لها بذهول وقلت: إيه؟ أرجع بيتي كمان؟ .. إنتي اللي بتقولي كده ياماما؟!! يعني عاوزاني أرجعله وكرامتي تتبهدل أكتر من كده؟ طيب أروح فين يا ربي؟ إنتو كمان مش عاوزني في بيت أبويا؟
فنظرت إليّ أمي باشفاق، وكأنها تنظر إلى مجنونة وقالت لي بحنان: طيب يا حببيتي إرتاحي شوية وربنا يحلها من عنده إن شاء الله ..
وارتميت في حضنها وبكيت مرة أخرى ..

قــال عمــر:
البيت وحش أوي من غير سارة .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. ليه كل ده؟ طيب أتصل بيها؟
لا .. مش ممكن .. دي جرحتني وباعتني في لحظة .. وكل شوية تمنّ عليّا إنها بتساعدني .. أنا مش عارف إيه اللي جرى بس ..
طيب أروح لها بيت والدها؟ لا .. ده كده تبقى هيّ اللي غلطت فيّا وأهانتني وكمان أروح أصالحها؟ ده أنا ما أقدرش أبص في عينيها تاني .. خلاص هي اللي سابت البيت يبقى هي اللي ترجعله لوحدها ..

قــالت ســارة:
إستيقظت من نومي المتقطع لأشعر أنـّني لم أنم، وإنما كنت أحارب من أحلامي المزعجة التي رأيتها .. وأول ما استيقظت نظرت على الموبيل لأرى هل عمر إتصل بي أم لا؟ وحزنت عندما لم يحاول الإتصال ولا أرسل حتى رسالة إعتذار ..
ما أصعب أن يجرح الرجل كرامة حبيبته .. والأصعب إنتظارها حتى يرد لها كرامتها ..
ماذا أفعل الآن؟ .. ماذا لو لم يأتي عمر لصلحي؟ هل سأعود وحدي؟ لا يمكن ..
أخيراً عرفت ماما ليه ماكانتش بتسيب البيت مهما زعلت مع والدي، كي لا تضع نفسها في موقفي المحرج ..
وخرجت إلى الصالة لأجد جميع أفراد أسرتي ينظرون اليّ باشفاق، وخجلت من موقفي، وحاول أبي التسرية عنـّي ومداعبتي، ولكنـّني سمعت صوت أمي عالياً تتحدث تلفونياً في الصالون .. فدخلت عليها كالسهم وظننتها تتشاجر مع عمر .. ويا ليتها فعلت، فقد وجدتها تتحدث مع حماتي ..
ياللكارثة .. إنقلب الموضوع لحرائق بالطبع .. واضح إن حماتي تسدد كلمات نارية لأمي، وإنها كالمعتاد تلقي اللوم عليّا ..
كده يا عمر لحقت قلت لها؟!! طيب ما أنا كمان قلت لماما .. اشمعنى هو يعني اللي حيطلع عاقل؟
وأخيراً ألقت أمي السماعة بعنف وهي تغلي من الغضب وتقول: أنا غلطانة اللي كلمتها علشان تهدي الموضوع، دي عاوزة تخرب البيت وخلاص .. قال وبتقول عليكي إنـّك متدلعة ومش مهتمة ببيتك ولا جوزك .. قال وأنا اللي كنت بأقولك إخزي الشيطان وارجعي بيتك .. طيب لو البيه إبنها ماجاش يصالحك ويبوس على راسك كمان عمره ما حيشوفك تاني وحيشوف شغله معايا أنا ..
سألتها: هوّ عمر اللي اشتكي لها مني ولا انتي اللي قلتيلها ياماما؟
ردت: لا يا ستي أنا اللي قلتلها .. هو ما قالش حاجة ..
فرددت بندم وأنا اغالب البكاء: ربنا يخليكي ياماما ..

قــال عمــر:
سألت أمي وأنا أكلمها في التلفون: ليه يا ماما بس تقولي لأم سارة الكلام ده كله؟ هو أنا عمري اشتكيتلك منها؟
ردت وقالت: هو انت من ساعة ما اتجوزت وانت بتحكيلي على حاجة خالص؟ بقى مراتك تغضب وتسييب البيت وأنا ماأعرفش؟ وكمان زعلان إني رديت عليهم؟
قلت: ياماما حضرتك كده كبرتي الموضوع، وإنتي عارفة سارة قد إيه محترمة وبنت ناس .. بس هي الحمل اللي تاعب أعصابها شوية ..
ردت بغضب بالغ من دفاعي عن سارة: أنا اللي كبـّرت الموضوع؟! والمحترمة بنت الناس اللي سابت بيتها وراحت اشتكتك للناس ما كبرتش الموضوع؟
لم أستطع الرد عليها وقلت في سري: كده يا سارة تصغريني قدام الكل؟ .. ورديت على ماما وقلت: ياماما حقك عليّ بس حضرتك كده خلتينا إحنا كمان غلطانين .. وأنا دلوقتي مش عارف أعمل إيه؟
قالت بعنف: روح صالح ست الحسن والجمال بتاعتك .. وأغلقت السماعة في وجهي ..
لا إله إلا الله .. أعمل إيه أنا دلوقتي في المصيبة دي؟ .. العيلتين وقعوا في بعض كل ده من دلعك يا ست سارة ..
بس ماما خلتني لازم أعتذر لها عن كلامها اللي قالته .. كمان لازم ما أوطيش لها علشان تعرف إنها هي اللي غلطانة، وأحاسبها إنها طلّعت أسرارنا للناس ..
طيب أروح ولاّ ما أروحش؟!!
أنا لم أنم لحظة من ساعة ما سابت البيت إمبارح .. وكأنـّها أخذت الحياة معها وتركت البيت قبراً .. خلاص أنا أعمل كلام ماما ده حجة إني أصالحها .. رب ضارة نافعة .. بس برضه حاعرّفها أنا مين ..

قــالت ســارة:
كده يا عمر أهون عليك؟ تسيبني يوم وليلة كاملين من غير ما تسأل عليّا ولو بالتليفون؟ .. وكلام حماتي اللي يحرق الدم ..
بس بجد أنا اللي غلطانة، أهو دلوقتي حماتي مش طايقاني، وماما مش طايقة عمر .. أنا فعلا اللي غلطانة جداً إني سبت بيتي .. ياما مرّت علينا أنا وعمر خناقات أصعب من دي، وكنت بأخاصمه شوية وكان دايماً هو اللي بيصالحني حتى لو أنا اللي غلطانة .. كويس كده الرمية اللي أنا مرمياها دي؟
طيب لو ركبه العند زيادة حاعمل إيه؟ .. أنا عرفت ليه دلوقتي ليه طاعة الزوج ربنا وصـّى عليها لدرجة ألا تسجد المرأة لمخلوق بعد الله إلا لزوجها .. (طبعاً ليس المقصود أن تسجد المرأة لزوجها إنـّما هذا من باب تعظيم حقّ الزوج، والحديث الذي تشير إليه الكاتبة هنا هو قوله صلى الله عليه وسلـّم: ” لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها” [رواه الترمذي. صحيح] تعليقٌ من مشرف الصفحة)
سبحان الله .. ربنا عمل كده علشان يصون كرامة المرأة وليس الرجل وحده، بأن يجعلها مصانة في بيتها ولا تكون ضيفة ثقيلة على الناس، وتنشر أسرارها للجميع .. والله أشعر أنـّني عرّيت نفسي أمام الكل .. وزوجي هو الوحيد ستري وعزي وكرامتي .. حتى الأهل حبـّهم من النوع المدمر، الذي يبحث عن كرامة البنت وليس عن بقاء بيتها .. وأنا كان ممكن أُشعر عمر إنـّه غلطان بألف وسيلة وأنا في بيتي بدون الجنان اللي عملته ده .. هوّ يعني البنت قبل الجواز بتسيب بيت والدها لما تزعل؟ .. يارب سامحني .. لن أفعلها أبداً مهما حدث ..
واخذت أستغفر الله كثيراً وأدعوه أن يحلّ هذا الوضع المعقـّد، حتى جاءت إجابة دعائي أسرع مما توقعت ..
جاءني نداء أختي الصغيرة إليّ مثل نشرة الأخبار: أبيه عمر جه يا أبلة سارة، وحاطط برفان كتير أوي ..
فقفزت من السرير وأنا أشعر أن كل جزء في جسدي يرتعش ويرقص .. يا حبيبي يا عمر، ماقدرش على بعدي .. أحمدك يارب ..
غيّرت ملابسي بسرعة، وغسلت وجهي الذابل من كثرة الدموع، وخرجت بسرعة قبل أن تتشاجر معه أمي ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الثانية عشرة

قــالت ســارة:
مر أكثر من شهرين على الحمل، إحساس لا يوصف، لا يضاهيه إحساس آخر، كنـّا ونحن صغار نفرح ببعض حبات الفول عندما نزرعها بأيدينا ونراقبها بالساعات وهي تكبر شيئاً فشيئاً، ونغضب عندما يتخلص منها أحد الكبار كالمعتاد وكأنه قتل جزءاً منا .. الآن هذا الإحساس أشعر به، ولكن بداخل جسدي .. نبضٌ صغيرٌ ينمو، خلية خلية بداخلي .. يتنفس من أنفاسي، ويقاسمني الطعام، ويفرح معي ويحزن معي .. رغم أني لا أشعر بحركته بعد، ولا بطني إنتفخت، لكن أشعر به في كل لحظة كياناً داخل كياني .. رغم ما أعانيه من تعب وإرهاق كبير جداً، من دوار مستمر، ورغبة دائمة في النوم الذي لا ينتهي، ورؤية الطعام كالعدو اللدود، وما يصاحب هذا من خناقات مع عمر وماما لي كي آكل رغماً عن أنفي، لأني بقيت اتنين دلوقتبي مش واحد .. لكنـّني أشعر أنـّني أصبحت إنسانة مختلفة في كل شيء .. مزاجي مختلف، أتوتر بسهولة شديدة، أقلق سريعاً، وللأسف أصبحت عصبية لدرجة لم أكن أتخيلها ..
لم أربط بين هذه التغيرات وبين الحمل إلا عندما رأتني صديقتي في العمل أسبب مشكلة لا داعي لها من عصبيتي الزائدة، فأخبرتني أن كثيراً من النساء يؤثر عليهم الحمل مثلي .. وقرأت في هذا الموضوع لأجد بعض حالات تتغير مزاجاتهم وشخصياتهم تماماً في فترة الحمل .. ماشاء الله، أنا أولد من هنا وأروح السراية الصفرا عدل ..

قــال عمــر:
سارة أصبحت عصبية جداً الأيام دي .. لا تطيق كلمة حتى ولو هزار، وتقلب الموضوع خناقة وحدوتة .. وأنا مقدّر تغيرها من الحمل ولا أحاول أن أعقد الموضوع .. وأصدقائي يؤكدون لي أن هذا شيء عادي ويقصون لي حواديت على الجنان الأصلي اللي شافوه على يد زوجاتهم في فترة الحمل .. لكن بجد تعبت، ووحشتني سارة حبيبتي الوديعة التي تغفر لي كل أخطائي وأتمتع بأنوثتها ورقتها .. لكني أعذرها فهذه ليست طباعها الأصلية، ولابد أن أتحملها فهي تحمل إبني الذي أتمناه من الله .. ربنا يهديها قبل ما أتجنن أنا ..

قــالت ســارة:
أنا بجد زهقت من كتر النصايح اللي باسمعها ليل ونهار من جميع البشر ..
لازم تاكلي كذا ..

ولازم تنامي بالطريقة دي ..
ولازم تمشي كده ..
ولازم ولازم ولازم ..
وكأن الحامل دي إنسانة فاقدة العقل ومستنية بنات الصين يقولولها تعمل إيه .. وأكبر مشكلة بتواجهني في الحمل هي شغلي .. أنا كنت قادرة أوفّق بالعافية بين الشغل والبيت، لكن دلوقتي بجد تعبت .. صحتي ضعفت من الحمل، وهي أصلاً ضعيفة، والمشوار المحترم اللي باخده كل يوم يكاد يميتني من كثرة المطبات التي أشعر أنها تسحب روحي معها .. ولكن ماذا أفعل؟
أنا وعمر لا نستطيع أن نستغني عن عملي في الوقت الحاضر من الناحية المادية .. وحتى لو استطعنا فأنا لا أتخيل نفسي ربة منزل؛ أصحى الظهر وأرغي في التليفون في آخر وصفات الطبيخ، وأخبار العيال .. أشعر بالإختناق من مجرد الفكرة .. ولا أريد أن أفكر فيها .. لكني في نفس الوقت خايفة على البيبي وحاسة بالذنب مما أعرضه له .. يارب ساعدني ..

قــال عمــر:
غريبة أول مرة أدخل البيت ولا تستقبلني سارة كالمعتاد .. سارة .. سارة .. إنتي فين يا حبيبتي؟
جاءني صوتها ضعيفاً من حجرة النوم، فطرت إليها وأنا أرتجف من الخوف، فوجدتها مازالت بملابس الخروج شاحبة ولون وجهها يحاكي وجوه الموتى .. جريت عليها وأنا أصرخ: مالك يا سارة فيه إيه؟
فردت بضعف: الحمد لله .. أنا كويسة، ما تقلقش يا عمر ..
قلت بلهفة: كويسة؟ إيه يا حبيبتي ده .. إنتي بتموتي!! إيه اللي حصل؟ ردي عليّ بسرعة؟ ولاّ أقولك، حاجيب ليكي مسكّن وعصير تشربيه الأول، وارفعي رجليكي على المخدات دي علشان تفوقي شوية ..

قــالت ســارة:
أخذتُ الدواء وشربت العصير وشعرت أنـّني أفضل حالاً مما كنت عليه، فشكرت عمر وقلت له: أنا كويسة ما تقلقش ..
قال لي: ألف سلامة عليكي يا حبيبتي .. إيه اللي حصل؟
رديت: مفيش حاجة .. وأنا راجعة من الشغل وراكبة المواصلات السوّاق عمل حادثة وخبط في عربية كانت قدامه، وعمل اهتزاز عنيف في عربيتنا طبعاُ، لدرجة إننا وقعنا من على الكراسي .. وبعدها حسيت إني دخت جداً .. وحسيت بمغص جامد أوي وألم حاد في ظهري من الوقعة .. لكن الحمد لله، أنا كويسة دلوقتي، والبركة في ربنا وبعدين فيك ..
سمعني عمر وأنا أحكي الموضوع بمنتهي البساطة وهو يغلي من الغيظ فرد بعصبية: يعني إيه كويسة؟ كنتي ح تموتي إنتي واللي في بطنك وتقولي كويسة؟!!
قلت بسرعة: ما تكبرش الموضوع يا عمر، مفيش حاجة؟
رد بعصبية: لا طبعاً فيه .. لما تصرّي على شغلك وإنتي كل يوم بتركبي ميت عربية وإنتي حامل يبقي فيه ألف مشكلة .. أنا كام مرة قلتلك بلاش الشغل ده؟ كويس كده لما يحصل لك إجهاض؟
فرددت باستفزاز: يعني إنت خايف على اللي في بطني مش عليّ أنا؟
قال: والله من حقي إني أخاف وأنا شايفك بتستهتري بيه كده .. ده إبني برضه ..
فجننت من رده وصرخت: باستهتر؟ هو أنا كنت رايحة السينما ولا النادي؟ مش الشغل؟ وبعدين مرتبي ده بأعمل بيه إيه؟ باشتري بيه ماكياج وبرفانات؟ ولا كله على البيت وبأساعدك في مصاريفه؟ وفي الآخر تقول لي بتستهتري؟
فصرخ فيّ: هو إنتي كل ما تتكلمي تقولي لي أنا بأصرف وبأساعدك؟ طيب إيه رأيك بقى ده آخر يوم ليكي في الشغل؟
فرددت بعند هائل لا أعرف من أين أتاني: مش ممكن طبعاً ..
فجن من ردي وأصبح انسان آخر: مش ممكن؟!! يعني مش بتسمعي كلامي؟!! طيب يا سارة لما أشوف كلامي ح يتنفذ ولاّ لأ؟ اختاري دلوقتي حالاً .. يا أنا يا الشغل ..
تملّكني الشيطان تماماً وأعماني الغضب وأنا أنفجر فيه بطريقة لم يسمعها مني من قبل: الشغل يا عمر!! إيه رأيك بقى؟ أنا خلاص زهقت من أوامرك وتحكماتك فيّا كانك اشتريتني .. زهقت من حياتي كلها ومش قادرة أستحمل أكثر من كده .. ونفسي أسيب البيت ده اللي أنا حاسة إني جارية فيه مش إنسانة بتحترم طموحها ومستقبلها وأرجع بيت أهلي اللي كنت ملكة فيه ..
رد عمر بذهوووول: إييييييييه؟ بتبيعيني يا سارة؟ وكمان عاوزة تسيبي البيت؟ على العموم إنتي حرة بس إفتكري إنتي اللي بعتيني وأنا مش ح اشتريكي ..
لم أستطع الأنتظار أكثر من هذا وأحسست أن كرامتي ذبحت، فقمت ارتديت طرحتي وخطفت حقيبة يدي وجريت على باب الشقة وعمر ينظر لي، ولكنه صامت لا ينادي عليّ .. فألقيت عليه نظرة أخيرة وتركت بيتي وأغلقت ورائي الباب بعنف ..

لا أعرف حتى الآن كيف وصلت بيت والدي؟ .. أكيد كان كل الشارع بيتفرج عليّا!! وسواق التاكسي اللي ركبت معاه كان رجل عجوز وطيب، أخذ يهدأ فيّا وهو يراني أبكي بحرقة دون أن يعلم بما حدث .. ولكن واضح أن شكلي كان في منتهى التعب والبهدلة .. كده برضه يا عمر أهون عليك أسيب البيت؟ وحتى لا يكلف نفسه أن يبقيني أو يتحايل عليّ .. الله يسامحك ..
واضح إن الحب اللي كان بيقولّي عليه كله كلام في كلام .. خلاص. . أنا كمان ليّا أهل ياخدوا لي حقي علشان يعرف قيمتي ..

قــال عمــر:
حتى الآن لا أستطيع تصديق ما حدث .. سارة تسيب البيت؟ .. وليه ده كله؟!!.. أنا مش شايف إني غلطت في حاجة .. هيّ اللي قعدت تصرخ زي المجانين وتذلّني كل دقيقة إنها بتساعدني في البيت .. دي حاجة خلاص تجنن .. مش قادر أستحمل الذل ده بعد كده .. لا وكمان تبيعني وتختار الشغل، وتسيب البيت، وفاكراني حاجري وراها .. لأ خلّيها .. ولمّا تعرف قيمة بيتها وزوجها ح ترجع لوحدها وغصب عنها كمان ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الحادية عشرة

قــالت ســارة:
مشاعر كثيرة متضاربة تجتاحني .. فرح وسعادة عارمة، وخوف وقلق وتوتر، وضوضاء جميلة تغمر كل مشاعري .. لا أعرف ماذا أفعل؟ .. كيف سأخبر عمر؟ وهل سيفرح؟ أكاد أطير من السعادة، وأرقص من النشوة .. وأخذت أجري في أنحاء الشقة من فرط سعادتي .. أريد أن أفتح كل الشبابيك والأبواب لأصرخ في الجميع أن الله أعطاني رزقاً واسعاً وجعلني أنثى مكتملة الانوثة .. هبطتُ بقوة على الكرسي من كثرة حركاتي الجنونية كما أفعل دائماً وأنا ألهث من السعادة .. وتذكرت أنـّني لست وحدي الآن بل يوجد من يشاركني جسدي ويقتسم خلاياي وأنفاسي معي، ولابد من إحترامه واعطاءه حقه بالكف عن هذه الحركات الصبيانية، وهمست له: عفواً يا صغيري .. سأصبح أماً حنوناً لك من الآن ..
أمسكت التليفون وطلبت أمي، ولم تكد تسمع صوتي وهو يرقص من الفرحة، وقبل أن أقول شيئاً صرخت هي: إنتي حامل يا سارة مش كده؟
فرددت وأنا أضحك: إيه ده هي الجزيرة لحقت ذاعتها؟ عرفتي منين يا جميل؟
ضحكت ماما وردت: ألف ألف مبروك .. هو انتي فاكرة إني مش بأحسب معاكي باليوم ولا إيه؟ بس ما كنتش بأحب أوتّرك في حاجة مالكيش يد فيها .. ألف ألف مبروك يا حبيبتي ..
قلت: الله يبارك فيكي يا ماما ..
ماما طبعاً مانسيتش توصيني: بس خلي بالك من نفسك، وبلاش حركات الجنان بتاعتك والجري والتنطيط ده .. خلاص إعقلي ياسارة ح تبقي أم ..
همستُ في سري إنها لو شافت ماتش الجري بتاعي من لحظات كان أغمى عليها فوراً .. طبعاً طبعاً ياماما، ما تقلقيش ..

كمّلت الوصايا: وخلي بالك من أكلك وحركاتك ونومك .. إلخ إلخ إلخ .. وأخذت أمي تسرد وابلاً من النصائح في شتى المجالات .. حتى نمت منها على السماعة .. إن شاء الله لما أخلف ح أهري إبني نصايح علشان أخلّص تاري .. ولكن للحق بعض النصائح النسائية الخاصة لم أكن أعلم عنها شيئا .. ده أنا كنت ح أبهدل الدنيا .. ربنا يخليكي لي يا ماما ..
وأجريت مكالمة مماثلة مع حماتي لأنها كانت زعلانة من آخر مرة أخبرتها بذوق ألا تتدخل في شؤوني الخاصة .. وللحق هي طارت من الفرحة، وأسلوبها معي كان أسلوب أم بحق .. وأشعرتني بحنانها لأول مرة .. وأنهيت المكالمة وأخذت أحضر الغداء، وفكرت في طريقة أخبر عمر بها .. فكرت طويلاً .. وأخيراً وجدتها ..

جاء عمر واستقبلته بشكل طبيعي جداً وأنا أكاد أنطق له بالسر في كل لحظة .. ولكني تماسكت وأعددت الغداء في هدووووووووء، وجلسنا عادي جدااااااااا .. وبدأ يأكل ..
لاحظ أنـّني وضعت طبقاً وملعقةَ وشوكةَ إضافيين .. فسألني في دهشة: إنتي مزودة طبق ثالث ليه؟ فيه حد جاي؟
فرددت في غموض: أيوة ..
عمر: طيب مش تقولي يا بنتي .. وسايباني آكل كده ..
أنا: لا مش مشكلة، ما هو مش غريب ..
عمر: مين؟ .. ماما ولا بابا ولا حد من إخواتك؟
فرددت بهدوء يفرس: لأ ..
قال وقد نفذ صبره: هو احنا في رمضان ولا حاجة؟ إيه الفوازير دي؟! .. طيب نستنى ولا ناكل؟ أنا ح اموت من الجوع ..
فرددت وأنا أبتسم إبتسامة أودعتها كل أنوثتي: لا ياحبيبي، كل إنت بالهنا والشفا .. ماهو مش معقول أسيبك تستنى 9 شهور ..
فنظر إليّ بدهشة وعدم فهم في البداية .. ثم نظر إليّ بعدم تصديق .. وأخيييييرا نطق وهو غير مصدق: سارة إنتي .. إنتي .. حامل؟
فهززت رأسي بالإيجاب وأنا أتوقع رد فعله أن يقفز من الفرح ويحملني و… و… و… ولكنـّني فوجئت بآخر رد فعل كنت أتوقعه على الإطلاق .. رأيت دموعاً في عينيه لأول مرة في حياتي .. كانت أوّل مرة أراه يبكي .. دموعٌ غزيرة شاكرة مبتهلة .. لا أستطيع تصديق هذا أبداً .. كنت أعتقد أنّ الموضوع لا يشغله مثلي، ولكن واضح أنه كان يخفي انفعالاته كي لا يزيد همـّي .. يا حبيبي يا عمر ..
فقمت من مكاني واحتضنت رأسه، وأخذت أمسح دموعه وأنا أقبـّل رأسه وأبكي أنا الأخرى .. وأخيراً تمالك نفسه وابتسم وقال لي: خلاص بقى إيه الغم ده .. ألف مبروك يا حبيبتي .. كده برضه؟ مش تقوليلي من أول ما دخلت ولاّ تكلميني على الموبيل .. يا قلبك يا شيخة ..
فضحكت وأنا أسأله: يعني فرحان يا حبيبي؟
رد عمر وقال: بجد إحساسي لا يوصف .. يااااه .. ده أنا كنت قلقان بشكل .. وكنت أدعو الله ليلاً ونهاراً .. بس كنت مش بارضى أقولك علشان ما أزودش توترك .. يالاّ ياسارة، قومي إتوضي ح نصلي صلاة شكر جماعة على الهبة العظيمة اللي ربنا وهبهالنا .. (ننبـّه إلى أنـّه لا يوجد في ديننا ما يسمى بـ”صلاة شكر” أما الثابت فهو “سجدة الشكر” .. ويرجى مراجعة الرابطين التاليين لمزيد من التوضيح: حكم صلاة الشكر و صفة سجدة الشكر .. تعليق “مشرف الصفحة”)
وصلينا أنا وهو .. وأخذ يدعو وأنا أؤمن على دعائه، وأرتجف في داخلي من دعاءه العميق المبلل بدموعه الشاكرة المبتهلة، وهو يشكر الله على عطائه الكريم، ويصفنا في الدعاء أنا وهو لأول مرة بالأب والأم، وليس بالزوج والزوجة، ويسأل الله أن يحفظ لنا وليدنا ويشب في طاعة الله ولا يمسه الشيطان أبداً ..
فرغنا من الصلاة، وجلسنا أنا وهو على الأرض على سجادة الصلاة وكأننا لا نريد أن نخرج من روحانية الصلاة والدعاء .. ورأيت عمر يتأملني بحب وهو يهمس لي: ألف مبروك يا حبيبة قلبي .. لو تعرفي غلاوتك زادت عندي ازاي؟
قلت في سعادة: ياسيدي يا سيدي على الحنيّة .. إيه الهنا اللي أنا فيه ده؟
عمر: لا والله صحيح .. دلوقتي أنا حاسس إن أنا وإنتي بقينا عيلة بجد .. بس لازم ياسارة نشكر النعمة الكبيرة دي .. حاولي تحافظي على نفسك وبلاش الجري والتنطيط ده يامدام .. مفهوم؟
أنا: يييييييييييييه، أنا سمعت الفيلم ده من ماما من شوية .. وإيه كمان؟
عمر: بصي يا قمر .. فيه حاجة مطلوبة منك طول فترة الحمل تعمليها علشان إبننا ان شاء الله يكون زي ما بنتمنى ..
أنا: إيه هيّ؟
عمر: عاوزك يا ستي ما تسمّعيش إبني غير قرآن طول فترة الحمل .. أنا قرأت كتير إن ده بيؤثر جداً على نفسية الجنين، وبيخليه بعد كده متعلق جداً بالقران .. عاوزك طول مانتي فاضية تقرأي قرأن وبصوت مسموع علشان يشعر ويتأثر بيه .. عاوزك تختمي المصحف كل شهر لو قدرتي .. إتفقنا؟
بهرني طلبه، فأجبت بدون تردد: اتفقنا ..
أضاف قائلاً: وفيه حاجة كمان .. الحصالة بتاعتنا الخاصة بالصدقات، من النهاردة سنضع للأستاذ فيها نصيب يومي .. مش برضه راجل ولا إيه؟
أنا: آه راجل طبعاً، ده حاليا في حجم الزيتونة، هو فيه حد قده .. ماشي ياسيدي فيه حاجة تاني؟
عمر: لا خلاص .. قومي بقي علشان أفسحك بالمناسبة السعيدة دي وأشتريلك هدية حلوة .. ولا ح تعملي لنا فيها حامل ودايخة والحوارات دي؟
أنا: لا ياعم .. حامل مين إنت بتصدق؟ حالبس في ثواني، بس إنت ماتغيرش رأيك .. حتوديني فين يا أبو العيال؟
ضحك على اللقب وقال: المكان اللي تشاوري عليه يا أم عتريس .. بس الأول أنا كنت ندرت إن لما ربنا يكرمنا بإبننا إن أول مكان نروحه أنا وإنتي وهو يبقي للجامع .. موافقة نروح نصلي ركعتين ونطلع مبلغ صدقة لله؟
أنا: طبعاً موافقة جداً جداً جداً جداً ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة العاشرة

قــال عمــر:
ياسلاااام ياسي عمر، الله وبقيت زوج خلاص وبتخاف على كل مليم يحتاجه البيت!! فين أيام الفسح والإنطلاق والمصاريف بدون حساب؟ وكان دايماً والدي يقول لي لما تتحمل المسئولية ح تتغير وتعقل، ولم أكن أصدقه .. خلاص خلصت الأيام دي وخصوصا مع الأسعار التي لا ترحم .. أصبحت لا أفكر إلا في ما يحتاجه المنزل والضروريات؛ مثل الطبيب والميكانيكي والسباك وخلافه ممن يهجمون على جيوبي فيجعلونها بيضاء لامعة من غير سوء ..
بس برضه إحساس غريب إني لما أشتري شيء جديد للمنزل أنا وسارة باشعر بالسعادة على عكس ما كنت متخيل!! كنت أتصور وأنا عازب إن لو مر أسبوع لم أخرج فيه مع أصحابي في فسحة محترمة ممكن يحصل لي حاجة في عقلي .. لكن دلوقتي بأجد لذة كبيرة أن أضيف شيء للبيت حتى لو كان بسيط جداً .. فأشعر بجد إني وقتها رجل البيت .. وخروجي مع أصحابي أصبح في أبسط الأماكن التي لا تكلف الكثير .. وطبعاً أسمع تريقة للصبح إني بأوفر علشان أشتري الجرنال وبطيخة للمدام وانا راجع!!! أمال اللي عندهم أطفال بيعملوا إيه؟ ربنا يستر ..

قــالت ســارة:
يارب يا سميع يا مجيب حقق لي أملي .. أرزقني كما رزقتَ زكريا .. هب لي ذرية صالحة .. اللهم اجعلني أمّاً ..
ناجيت الله كثيرا بعد صلاة العشاء أن يحقق لي أملي ويهب لي طفلاً أسعد به، ويملأ عليّ دنياي أنا وزوجي .. لا أعرف كيف اجتاحني إحساس الأمومة من أول ما تزوجت؟ .. كنت وأنا بنت إحساسي بالأطفال مختلف .. لم يكن عندي صبر طويل معهم .. أحب الطفل وهو يلعب ويضحكن وأول ما يبكي تنقطع الصلة بيني وبينه وأرميه لأمه فوراً .. ماذا حدث؟ سبحان الله القدير .. أحنّ لشيء لم أره!! ونفسي تهفو لأن تجاور دقات قلبه جسدي، وأضمه بين ضلوعي .. كيف حدث هذا الإنقلاب؟ .. يارب يارب هبه لي هبة مباركة من عندك .. قد لا أكون أهلاً لهذه الهدية، ولكنك أهلٌ لهذا العطاء ياسميع يا مجيب ..
أكاد أجن من شدة وطأة هذا الشعور والحنين القاتل لأن أكون أماً، والغريب أن عمر لا يساوره هذا الإحساس مثلي .. بل يحمل خوفاً من مصاريف الأطفال ومسؤوليتهم الكبيرة ..

رغم أنه حنون جداً على الأطفال، يمكن أكثر مني!! كيف هذا؟!! يمكن أنه يذكر ذلك كي لا يجرح مشاعري، أو أنه فعلاً لا يشتاق مثلي هذا الاشتياق الجنوني؟ لا أعرف .. يارب .. يارب ..
وما يجرحني بشدة ويزيد عندي الإحساس أني تأخرت في الحمل هو سؤال الناس الدائم لي: هاااا .. مفيش حاجة حلوة جاية في الطريق؟ .. أول ما أسمع كلمة “هاااا” الكريهة أتجنن .. خلاص السؤال ده أصبحت أهرب منه من الجميع، وكأن الموضوع بيدي وأنا التي لا أريد .. آه لو كل الناس تكون في حالها ..
حتى مكالمات التليفون من خالاتي أو أقارب عمر تكاد كلمة “هاااا” تحل محل ألو .. هو أنا باتدخّل في خصوصيات الناس بهذا الشكل؟ .. يمكن لو لم تكن الأسئلة تحيطني في كل مكان لم يكن الإحساس عندي تضخم بهذا الشكل .. وبعدين هو الحمل بيستخبى إزاي يعني؟! ماهو أكيد لما ح يحصل كل الناس ح تعرف، ولا ح أخرج وأسيب بطني في البيت؟!!
وحماتي ماشاء الله عليها لها دور كبيييييير جداً!!! تحيطني بكمية من العبارات الجارحة التي لا تتوقف، وكأننا متزوجين من عشرة سنين وليس 8 أشهر؟ .. معقول العقل ده؟ .. طول ما إحنا بنزورها، وخصوصا في غياب عمر، تحيطني بعبارات من نوعية:
عيني عليك يا عمر بتموت في الأطفال ..
دي فلانة ماشاء الله حملت من يوم الدخلة ..
ما بتفكريش تروحي لدكتور يا سارة؟
ولم أكن أرد أو أحكي لعمر كي لا يغضب .. ولكن من داخلي كانت تجرحني في أنوثتي دون مراعاة لشعوري وكأنها تسعد بهذا .. وكانت تعلم ميعادي الشهري باليوم، وفي اليوم المنتظر صباحاً تتصل بي كل شهر وتسأل سؤالها المعهود: جاءت؟ .. وأنكسر وأنا أرد بالإيجاب .. فتنهي المكالمة بغضب وتكاد تغلق السماعة في وجهي .. وفي آخر هذه المكالمات القاسية أجهشت في البكاء حتى استيقظ عمر وانتفض لما رآني منهارة بهذا الشكل، وسألني عما بي وهو يقرأ على رأسي آيات من القران كي أهدأ .. فلم أحتمل أن أخفي أكثر من ذلك وحكيت له عما حدث .. فسمعني وهو يكاد يغلي من الغضب، ولكنه كظم غيظه ورد عليّ بحنان: حقك عليّ يا حبيبتي نيابة عن ماما ..
فاقول له: طيب ليه تقول لي الكلام ده؟ .. هيّ دي حاجة في إيدي؟ ولا أنا يعني اللي مانعة الحمل؟
عمـر: معلش يا سارة، ما انتي عارفة ماما بتحبني قد إيه ونفسها تشوف أولادي ..
فصرخت فيه: يعني أنا اللي مش نفسي؟ لا حول ولا قوة إلا بالله .. ده أنا مفيش واحدة قالت لي على نصيحة حريمي إلا وعملتها .. ومفيش فاكهة أو أكل قالوا عليه بيساعد على الحمل إلا وأكلته .. وطول الليل بادعي ربنا .. أعمل إيه تاني بس؟
عمـر: إيه يا بنتي الجنان ده كله؟ هو احنا بقالنا ميت سنة متجوزين؟ ليه كل ده؟
رديت بعصبية: ليييييييييه؟ .. دي الناس كلها متفرّغة تسألني أنا حامل ولا لأ؟ .. كأنه إستجواب أو إتهام بالتقصير مثلاً ..
عمـر: يا حبيبتي دول ناس فاضية، ما تسأليش فيهم .. همّا الناس كده يسألوا البنت أول ما تدخل الجامعة: مفيش عريس ولاّ إيه؟ .. ولما تتخطب: هااا الجواز إمتى عاوزين نفرح بيكم؟ .. وأول ما يجوزوا: مفيش بيبي في السكة؟ .. ولما تجيبي البيبي: يالاّ بقى همتك هاتي له أخ يلعب معاه .. ولما تجيبي الطفل التاني ويتأكدوا تماماً إنـّك غرقتي في المشاكل يسيبوكي غرقانة وما يسألوش عنك تاني!! بالذمة تعملي إعتبار لناس حشرية كده؟
أنا: بس أنا خلاص تعبت بجد تعبت .. عمر أنا عاوزة أروح لدكتور .. أرجوك ..
فرد با ستعجاب: دكتور إيه يا حبيبتي، لسه بدري أوي على الكلام ده ..
أنا: معلش ريّحني ياسيدي أنا تعبانة بجد .. علشان أطّمّن بس مش أكثر ..
عمـر: يا سارة ما تستعجليش رزق الله .. الأطفال دول رزق زي الصحة والمال .. إفرضي يا ستي مش مكتوب لنا نخلف ح نعمل إيه يعني؟
فكدت أنفجر من بروده: طبعاً ما هو الأمومة غريزة لكن الأبوّة بالممارسة .. يعني عمرك ما حتحس باللي أنا حاسة بيه ..
عمـر: يا حبيبتي إحنا سعداء مع بعض والحمد لله .. مستعجلة ليه على المسئولية؟
ففاض بي الكيل وصرخت فيه: يووووووه يا عمر، أرجوك حس بي وتعال نكشف عند الدكتور أنا وإنت ..
وكأني طعنته في رجولته فرد بغضب: وأنا كمان!! ليه؟ أنا كويس ومعنديش مشكلة، أروح ليه بقي؟
أنا: يا سلام يا باشمهندش، سبت إيه للناس العادية .. إيه علاقة ده بالخلفة؟
فرد بعصبية: سارة أنا مش عاوز وجع دماغ .. ده اخر كلام عندي عاوزة تروحي للدكتور إنتي حرة لكن أنا لأ .. لأ .. لأ ..
أنا: ………… .!؟

الدكتورة: إيه يا مدام سارة إنتي بتدلعي علينا ولا إيه؟
أنا: ليه يا دكتورة ؟
الدكتورة: حمل إيه اللي اتأخر؟ إنتي متجوزة يادوب من كام شهر!! ليه الإستعجال ده يا بنتي؟
فردت أمي نيابة عني لما رأت إحمرار وجهي: ما انتي عارفة زن الناس يا دكتورة خلّوها تقلق ..
الدكتورة: بصي يا سارة .. التحاليل اللي قدامي بتقول إنك سليمة مية في المية، ولكن القلق اللي انتي فيه ده ممكن يخلوكي فعلا تتأخري في الحمل .. إهدي واطّمني وسيبي كل حاجة بأمر الله ..
فرددت بخجل: طيّب يعني يا دكتورة مفيش حاجة تعجّل الحمل شوية؟
الدكتورة: انا مش عاوزة ألخبط الهرمونات عندك وأتعبك بجد .. وبعدين زوجك ما عملش التحاليل ليه؟
أنا: ………!؟
الدكتورة: رفض طبعاً كالمعتاد مش كده؟! كل الرجالة في الموضوع ده زي بعض .. الوزير زي الغفير .. قليل أوي اللي بيرضى يكشف وبعد ما تكون مراته اتبهدلت!! ربنا يهدي ..
سألتها: طيب يا دكتورة أعمل إيه؟ أنا خلاص ح اتجنن ..
الدكتورة: هو انتي لو مفلسة وطلبتي من ناس فلوس صدقة وقالوا إنهم حايدوها لك واتأخروا عليكي .. ح تروحي تخبطي على بابهم كل يوم بغالحاح؟
رديت: لأ طبعاً ..
الدكتورة: بس إنتي بتطلبي من ربنا يا سارة مش من الناس .. إلزمي بابه ولن يردك أبداً ..

وخرجت من عند الدكتورة وأنا في قمـّة الإرتياح .. إرتحت جداً نفسياً أن ليس بي عيب يمنع الإنجاب .. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. يكفيني هذا الشعور كي أهدأ .. ولن يقلقني أحد بعد الآن ولو سألني أحد سأجيبه: لا تسألني أنا، بل اسأل الله .. لن أقلق أو أتوتر كي لا يؤثر على نفسيتي كما قالت الدكتورة ..
طيب وموقف عمر المتخاذل معي ماذا أفعل معه؟ .. أتشاجر؟ أخاصمه؟
لا لا .. لن أفعل كل هذا كي لا أغضب الله وأنا في أمس الحاجة لرضاه .. ولا أريد أن أعصى الله بغضب عمر مني، لأن ما عند الله لايؤخذ بمعصيته .. أفقت من سرحاني على صوت أمي تقول لي: ما تزعليش يا سارة من عمر .. هم كل الرجالة بياخدوا المواضيع دي بحساسية ..
ففاجأها ردي: لا يا ماما، أزعل ليه يعني؟ هو ده اللي ح يعجّل اللي ربنا كاتبه؟ .. وبعدين أنا ماأقدرش أزعل منه أبداً ..
فردت بغيظ: طيب يا ستي ربنا يخليه ليكي .. أنا الحق عليّ ..
وجاء عمر ليأخذني من عند ماما، وفي السيارة كان يتوقع مني البوز المتين وإني أتخانق أو حتى أبكي، وقصصت عليه ما قالته الدكتورة بكل بساطة وبدون لوم .. فصمت طويلاً وخجل من نفسه وقال لي: أنا آسف يا سارة ..
لم أرد، فواصل الكلام: أنا مش عارف سبتك ليه تروحي للدكتورة مع ماما! بجد أنا غلطان .. حقّك عليّ ..
رديت عليه وقلت: أنا فعلا زعلت منك، لكن قدّرت إنك واخد الموضوع بحساسية .. فخلاص يا سيدي ولا يهمك ..
أسعدته كلماتي فقال: ربنا يخليكي لي يا عمري ويكملك بعقلك .. وأقول لك حاجة، حتى لو خلّفنا مش ح أحب إبننا أكتر منك ..
أنا: ………!؟

ومرّت الأيام التالية وأنا هادئة تماماً وأدعو الله ليلاً ونهاراً وبتضرع وتذلل، ولكن باطمئنان ويقين داخلي أنـّه لن يردني أبداً، ولن يتركني خالية الوفاض .. وأبعدت أعصابي تماماً عن التوتر، وأكثرت كثيراً من الصدقات خلاف صدقات حصالتنا الأسبوعية أنا وعمر ..
وحماتي العزيزة واصلت بالطبع حملاتها الشرسة ضدي، وأنا لا أرد ولا أعيرها أي اهتمام .. حتى فاض بي الكيل من أسئلتها النارية والمستفزة فرددت عليها ذات مرة بهدوء وأدب حتى أغلق هذا الباب نهائياً: واضح يا طنط إن الموضوع ده قالقك أوي، وأنا عارفة إن ده من كتر حبك ليّا!! بس أنا بصراحة مش باحب أتكلم مع حد في خصوصياتي .. ده حتى ماما مش بتتكلم فيه خالص .. تتصوري يا طنط؟
حماتي: ……..!؟
والغريب إن عمر كان جالس في هذا الحوار، ولم يغضب مني كما توقعت!! بل بالعكس إبتسم وغمز لي بعينه وتظاهر إنه يقرأ الجريدة كي لا تقتله أمه ..

وأخيييييييييييراً جاء ميعادي الشهري الذي أنتظره على أحر من الجمر .. والحمد لله لم تتصل حماتي لتسألني سؤالها الشهري المعتاد .. ومر اليوم بطيئاً بطيئاً دون حدوث شيء!! وكل دقيقة أترقب وأدعو ألاّ يحدث .. ومر اليوم التالي وأنا في عملي، ولا أركز إطلاقاً إلا في ترقب ما سيحدث؟ وهل ستتأخر شارة أنوثتي يوماً آخر؟ .. يارب .. يارب .
ومر يومان آخران وأنا أكاد أجن من التوتر الممزوج بفرح غامض .. هل يكون قد حدث؟؟ .. ولاحظ عمر أني لم أنقطع عن الصلاة كالمعتاد، فسألني بترقّب: إيه يا سارة فيه إيه؟ بتصلي ليه؟
ولم أرد أن أخبره إلا لمـّا أتأكد أولاً، فضحكت وقلت له: أصلي أشهرت إسلامي قريب ..
وطبعا لم ينخدع بهزاري، ولكنـّه لم يرد أن يسأل هو الآخر كي لا يصاب بإحباط ..
وعند مرور خمسة أيام لم أطق الإنتظار .. وبدون أن أخبر أحد إشتريت إختبار حمل منزلي و قرأت تعليماته: علامة حمراء واحدة لايوجد حمل، وعلامتان أي يوجد حمل ..
وأجريته ..
ومرت الثواني بطييييييييييئة وأنا أغمض عيني كي لا أرى ..
وأخييراً إمتد اللون الأحمر ببطء ليرسم علامتين ..
علامتين؟!!
يعني أنا .. أنا؟ حااااامل؟
وخرجت من الحمام وهبطت بكامل هيئتي في سجدة شكر طويلة .. وبللت دموعي الشاكرة وجهي .. ولهج صوتي بالدعاء وكل خلية مني ترتعد من فرط السعادة والشكر بهبة الله الغالية التي أودعها جسدي .. كيف أشكر هذه النعمة؟ .. وكيف أصونها؟ .. وكيف أخبر عمر؟ .. وماذا تكون ردة فعله؟ .. وكيف أخبر الجميع؟
أشعر أنـّني أريد أن أصرخ في الشارع وأوقف المارة وأخبرهم: أنااااااا حااااااااااااااامل ..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة التاسعة

قــال عمــر:
مر على زواجنا 6 أشهر تقريباً .. الحمد لله مرّوا على خير .. لكن لا أعرف ما هذا الإحساس الذي أشعر به .. إحساس بالاعتياد والتعوّد والركود .. لا رغبة لدي كي أفعل شيء جديد .. بمعنى آخر ما أشعر به هو الملل .. الملل من كل شيء في حياتي الجديدة ..
هذا لا يعني أنـّني لم أعد أحب سارة، بل بالعكس أشعر أنـني أحبها أكثر من زمان بعد ما عاشرتها، وعرفت رقـّة طبعها، واستحمالها لتقلبات طباعي، وصبرها على ظروفنا المادية الصعبة .. ولكن إحساسي من ناحيتها تبدل .. هذا التوهج الذي كنت أشعر به في مشاعري تجاهها فتر .. كنت عندما أسمع صوتها في التليفون يدق قلبي، وتشعر كل خلية من خلاياي بالسعادة .. ولكن الآن مكالماتنا التليفونية عندما نبتعد عن بعض سريعة قصيرة لإبلاغ أمر هام أو طلب ضروري أن أشتريه ..
لم أعد متلهف للقائها مثل زمان، وكيف أتلهف وأنا أراها طوال اليوم أمامي!!
أصبح حديثنا اليومي أقل من زمان، عندما كنا نتحدث طوال الليل حتى نفاجيء بخيوط الفجر تداعب وجوهنا بدون أن نشعر؟؟ والآن ملل ملل ملل ..
ولكني لا أتصور حياتي لحظة بدونها .. وأشعر أنها صديقتي التي أعود سريعاً لأقص عليها كل ما حدث في يومي، فهي تمتاز بصفة لا توجد عند 95% من بنات حواء وهي فن الإستماع بدون لوم ولا تريقة .. حتى لو كانت متأكدة أني مخطىء فهي تلفت نظري بهدوء بعد فترة من الحديث كي لا تشعرني بخطأي مثل الطفل الصغير وتمسك اللّيْ الخرزانة زي الأطفال!! ولا تقول الجملة الخالدة التي تقود أي رجل للجنون: ماهو لو كنت سمعت كلامي ما كانش حصل كل ده ..
طيب لماذا أشعر بكل هذا الملل؟!! ولماذا فتر إحساسي بها كحبيبة وفتاة أحلامي؟
أعرف أني أظلمها معي عندما تراني أقل تلهفاً عليها، وأرد عليها أحيانا في اقتضاب .. أرى اللوم في عينيها بدون أن تصرح بشيء .. ولا تلومني في شيء .. ولكن أعمل إيه؟؟!!!!

قــالت ســارة:
مش عارفة عمر متغيّر من ناحيتي ليه؟ أنا بأحاول أرضيه بكل الطرق ولا أهمل في منظري أبداً، وكل طلباته أوامر .. طيب حصل إيه؟

هو صحيح مش بيتخانق معايا بس مش عمر بتاع زمان .. أشعر إنه زهقان من كل حاجة فى الدنيا حتى مني ..
طيب أعمل إيه؟ وكل يوم أسأله السؤالين الخالدين: فيه حاجة يا عمر؟ .. و: زعلان منى فى حاجة يا عمر ؟ .. والاجابة واحدة: لااااااااا ..
طيب أرجّعه إزاي زي الأول وأرجـّع أحاديثنا الطوييييلة تاني إزاي؟
هو ده بقي الملل الزوجي اللي بيقولوا عليه؟ .. وده الخرس الزوجي اللي بيصيب الأزواج وأعراضه سرحان وبحلقة في السقف؟ .. والرد على أي سؤال باشارة مبهمة لا تعني شيء، والفرجة على ماتشات الكورة حتى لو كان فريق جزر القمر هو اللي بيلعب ..
مرة قرأت أن تحريك بحيرة الزواج من الركود مسئولية الزوجة .. يعني جت على دي ومش حتكون مسئوليتها؟ .. ماهي كل حاجة على دماغها لوحدها ..
طيب تعمل إيه الزوجة؟ .. تعمل أراجوز علشان ترضي زوجها؟ بجد حرام كل حاجة عليها .. يا إما يقولوا دي منكدة عليه عيشته ومزهّقاه في الدنيا .. خلاص هو حر .. بقى مش عاوز يتكلم هو حر .. بس أنا مش عاجباني الحياة بالشكل ده .. وأنا كمان ح يتنقل لي إحساس البرود ده .. ودي عيشة بق؟!!
طيب حاحاول أفكر في طريقة .. وراك وراك يا عمر ح تروح مني فين؟
-
“إيه يا سارة انتي مش رايحة الشغل النهاردة ولا إيه؟” .. قالها عمر، فتصنعت الإعياء وأنا أرد عليه: لا تعبانة شوية وأخدت النهاردة أجازة يا حبيبي ..
عمر: ألف سلامة عليكي .. تحبي نروح لدكتور؟
رديت: لا دكتور إيه؟ ده الظاهر شوية برد .. ح أنام شوية وآخد كوباية ليمون وأبقي كويسة إن شاء الله .. وأنا قلت لماما تبعت لي الشغالة بتاعتها تساعدني، أصلي مش قادرة أعمل حاجة خالص ..
عمر: ما تقلّقنيش عليكي يا حبيبتي .. تحبي آخد إجازة أنا كمان؟
رديت بسرعة وقلت: لا يا حبيبي .. أنا ح ابقي كويسة، ما تتعبش نفسك مع ألف سلامة .. كح كح كح ..
وتركني وهو قلقان عليّ بجد .. آه لو لم أكن أعلم أنـّه يحبني أكثر من أي إنسان في الكون كنت قتلت نفسي!! لكن هو الإعتياد على الشيء الذي يفقدك بهجته والسعادة به، وهل معقول أن الإنسان يظل يشعر بالساعة التي يرتديها كل ثانية وكل دقيقة؟ كان سيصاب حتما بالجنون والإنهيار العصبي .. إنه لا يشعر بها إلا عندما ينظر لها بعد فترة من تركه لها، وأنا سأجعل عمر يراني من جديد ..
في التاسعة صباحا جاءت الشغالة وكان ورانا أنا وهي شغل كثير جداً .. كنت أريد تغيير نظام البيت كله حتى يشعر عمر أنه في عالم جديد، ولكن الموضوع ليس سهلاً، ولكن علشان عيون عمر كله يهون ..
غيرت مكان الصالون ونقلته مكان الأنتريه ليكون بجوار البلكونة بجوار الهواء الطلق .. مش مهم الضيف يتهووا، المهم إحنا .. وغيرت مكان التليفزيون ووضعت اتنين من كراسي الأنتريه متلاصقين بعد أن كانوا كل واحد في اتجاه كي نجلس عليهم أنا وعمر ..
طبعا السفرة لم أجرؤ على تحريكها لأنها تحتاج بلدوزر بشري يحركها .. أكيد اللي بيعملوا الفرش دول من كوكب المريخ أو فاكرين إن العريس هرقليز والعروسة زينة!!! لكني غيرت الفضيّات الموجودة في النيش بأخرى لامعة، وأضفت لها تحف صغيرة كانت مركونة .. وأخرجت مفرش سفرة جديد لم أستخدمه من قبل وفرشته ووضعت فازة كبيرة بها ورود أكثر إشراقاً ..
وحجرة نومنا غيّرت ترتيب كل جزء بها .. السرير مكان الدولاب، والتسريحة مكان الشوفنيرة، وفرشت مفرش يوم الدخلة الذي لم أستخدمه إلا لأيام معدودة وعلقت صورة زفافنا الكبيرة التي رفض عمر تعليقها في الصالون .. ووعدني بتعليقها في غرفتنا وطبعا نسي أو كسل .. الحمد لله الشغالة موجودة تعيش حياتها هيّ وتعلقها على راحتها ..
وأيضا مجموعة من صورنا أيام شهر العسل وضعتها في برواز ووضعتها على الكومدينو ليراها قبل النوم .. الله الله أعطت الغرفة شكل رائع .. أكيد ح يعجب عمر ..
وأخيرا حجرة عمر التي يعمل بها مشاريعه الهندسية، لم أرد ان أغير من طابعها الرجالي فكان يحتفظ فيها بسريره القديم أيام العزوبية ودولابه الصغير قبل أن يتزوج، والآن يضع به أوراقه وكتبه .. وده طبعا لأننا لم نملك وقت الجهاز أن نشتري حجرة معيشة أو حجرة أطفال جديدة فكان هذا هو الحل .. طيب أعمل فيها إيه؟
بعد أن قمنا بتنظيفها فكرت في فكرة جديدة، وهي أن أغير كل الصور العائلية التي يضعها في براويز على مكتبه بصور أعز أصدقائه الشباب، وأخرجت الألبوم سريعاً وأخرجت صور أفضل 5 أصدقاء له ووضعتها بشكل بارز له، وطبعاً سيدهش من هذاويقول مراتي إتجننت!!!.. لأن الزوجة بعد زواجها بتحاول بشتى الطرق أن تبعد زوجها عن أصدقائه القدامى كي تظل وحدها معه، ولا تعرف أنها بهذا بتخنقه ليهرب منها ويذهب لهم أكثر من الأول ..

خلاص أخييييراً أنهينا المعركة الحربية وأصبحت الشقة مختلفة تماما وازدادت جمالاً .. ومشيت الشغالة وهي أكيد بتدعي عليّ وعلى جناني الرسمي ..
وبعد أن أنهيت كل شيء في الشقة إرتديت ملابسي ونزلت بسرعة للكوافيرة اللي في نفس الشارع، والتي قلّت زياراتي لها للأسف توفيرا للنفقات، وأصبحت أعمل شعري في البيت وخلاص!! وقبل أن أدخل لها إشتريت جريدتنا المفضلة أنا وعمر ـ فاكرينها؟ ـ والتي كنا نقرأها أيام الخطوبة ونتناقش في كل مقالاتها، ولغبائي لم أعد أشتريها بعد الزواج .. له حق يزهق مني .. طيب ح نجيب كلام نتكلمه منين؟ لازم أحداث جديدة نتكلم فيها علشان أجذب إنتباهه لي ..
وطلبت من الكوافيرة أن تقص شعري قصة جديدة وهو ما كنت أرفضه دوماً تمسكا مني بشعري الطويل وتسريحتي التقليدية .. فقصـّت لي قصـّة جديدة جعلت خصلات شعري متدرجة ومحيطة بوجهي، فأظهرت إستدراته وزادتني جمالاً .. واقترحت عليّ تلوين بعض الخصلات به فخفت ورفضت .. ثم بعد إلحاح منها وافقت وتركتها تعمل .. وأنا أقرأ في الجريدة وإذا بعمر يتصل بي على الموبيل .. ياخبر .. كده المفاجأة حتبوظ لو سمع دوشة الكوافيرة ..
فجريت على الحمام وأغلقت بابه عليّ بإحكام، ورديت عليه متصنعة الإعياء، وطلبت منه أن يحضر أكل معاه لأني مش قادرة أعمل حاجة خاااااااالص!!! والحمد لله لم يلاحظ شيء، بل بالعكس إزداد قلقا عليّ وندما إنه سابني وأنا تعبانة ..
ورجعت للكوافيرة وجدتها بتصرخ لأن الصبغة مازالت على شعري .. بس الحمد لله ربنا ستر ولم يطلع اللون بنفسجي!!! بل بالعكس في صورته النهائية كانت النتيجة مبهرة، لم أعرف نفسي بجد في المرآة .. الله يكون في عونك يا عم عمر على اللي ح تشوفه ..
ورجعت البيت وأنا أشعر أني امرأة جديدة، وبيتي هو الآخر جديد، وأشعر بانتعاش جميل .. وارتديت طقم كنت أرتديه أيام الخطوبة!! وتزينت وأدرت موسيقى ناعمة في أنحاء المنزل ..
جلستُ في انتظاره، وكما توقعت جاء قبل ميعاده بنصف ساعة، وأول ما فتح الباب ورأي التغيير المدمـّر عاد خطوتين للخلف، واتلخبط وكاد يرجع ويصرخ في العمارة: شقتي إتسرقت يا جدعااااااااان ..
ثم دخل وظلّ صامتاً للحظات وهو يقلب نظره بين الفرش وبيني وهو لا ينطق إلا كلمة واحدة: إيه ده .. إيه ده؟
ثم أخيرا نظر إليّ بإعجاب كبير جداً وقال: يعني مش تعبانة ولا حاجة .. طيب القمر دي مراتي ولا حد تاني يا مدام؟
أنا: ……..؟
وأضاءت ملامح وجهه بالسعادة والحب وهو يهمس لي: يا مجنونة كل ده عملتيه علشاني أنا؟
قلت: طبعاً .. إنت حبيبي، ونفسي أشوفك سعيد معايا .. إن شا الله أهدّ الدنيا علشان تكون راضي عني ..
قال ووجهه يشرق بابتسامة: ربنا يخليكي ليّا طووووووول العمر..



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة الثامنة

قــالت ســارة:
معقوووول مر شهرين على زواجي أنا وعمر؟
مرو بسرعة جداً .. حياة جديدة في المسؤولية والمشاركة والمشاعر، في كل شيء .. حتى أصدقائي اللي كنت بارغي معاهم بالساعات في التليفون أصبحت لا أراهم ألا نادراً، ولو تكلمنا في التليفون يكون حديثاً سريعاً لألحق كلّ الأشغال اللي ورايا،
وشقتي الجديدة أصبحت مملكتي بجد، وبعد ما كنت أنظف حجرتي في بيت ماما بالعافية وبعد استدعاء البوليس أصبحت لا أطيق أن أري منزلي غير مرتب، وأتخانق مع عمر لو رمي ملابسه أو كتبه كالمعتاد .. رغم أن كتبي وأشيائي الخاصة زمان كانت محتاجة خريطة للوصول لها!!! لكنه هو الحب الذي يجمعك بمكان تشعرين أنـّه ملكك وحدك تكونين فيه على راحتك وتفعلين ما تشائين ..
حتى أن منزل والدي اضطررت أن أبيت فيه ليلة عندما مرضت أمي، بجد لم أستطع النوم، مش عارفة إزاي مش هو نفسه السرير اللي نمت عليه أكثر من عشرين سنة!! إحساس لا يعلم تفسيره إلا الله الذي يريد لنا أن نعمر بيوتاً وبيوتاً حتى نعمر الأرض جميعاً ..

وانا وعمر ومتفاهمين جداً لكن لا يخلو الأمر من غلاسة وتحكم في أشياء تافهة كي يثبت لنفسه أنه سي السيد، ولا أعلق عليها وأجعلها تمر كي لا تصبح كارثة .. شيء واحد هو ما يحيرني ويضايقني فعلا بإستثناء حماتي طبعاً(!!) وهو مصاريف البيت، لا أعرف ماذا يمكن أن يفعل شابان يعملان عملاً شاقاً يومياً كي يوفرا مصاريف الإيجار والأكل والدواء والخروج والمجاملات الخ الخ الخ …؟!.. طبعا يحتاجان إلى معجزة من السماء كي تحل لهم لغز الأسعار .. وأصبحت بعد أن كنت أصرف مرتبي على العطور والكريمات والمجلات، أصبحت أبحث 10 ساعات قبل أن اشتري زيت الطعام كي أعرف أي نوع أوفر!.. وأصبحت أفاصل مع أي بائع رغم إني كنت باقول لماما دايماً إن ده تصرف بيئة!!! وأصبحت أحمل هم أي مناسبة غير معمول حسابها مثل فرح أو خلافه نضطر آسفين ان نجامل أصحاب المناسبة فيه لأن ده معناه أن بقية الشهر ح نقضيه تونة وجبنة ..
ولكن ليس هذا ما يضايقني فقط، ولكن تصرف عمر الغريب تجاه مصروف البيت هو ما يضايقني جداً ..

وهو أنه لا يخصص مبلغ معين لمصروف البيت، وأنا أساعده فيه ونصرف منه سوياً .. لا .. هو يدفع الايجار وبعض الأشياء الأخرى وأنا عندما أقبض مرتبي أسارع لأنفقه كلـّه تقريباً على خزين المنزل من سكر وزيت وخضار ولحوم وخلافه، وهو متقبل ده عادي وبدون مشاكل .. حتى إني طلبت منه مرّة مبلغ كي أشتري شيء للمنزل فرد عليّ ببساطة: ما إنتي معاكي فلوس يا سارة!! هي خلصت؟!!
طبعاً إتضايقت جداً من رد فعله ده .. هل المفروض أن أنهي مرتبي كاملاً ثم بعد هذا هو يساعد!!! الغريب في الأمر أنه غير بخيل، أبداً بل بالعكس لا ينفق على نفسه تقريباً إلا الضروري جداً، ولكن ما يضايقني أنه معتبر مساعدتي في المنزل أمر مفروغ منه وفرض عليّ .. وتحملت هذا الأمر رغم ضيقي منه، أنا أحب أن أصرف على منزلي ولكن بإرادتي وليس فرضاً عليّ .. حتى جاء يوم رجعت من العمل وانتظرته بعد الغداء وقلت له: شفت يا عمر النهاردة بعد الشغل نزلت أنا ووحدة صاحبتي المحلات اللي جنب شغلي، كانت عاوزة تشتري شوية حاجات ..
قال: طيب يا حبيبتي وإيه المشكلة؟
أنا: لا أبداً، لقيت شنطة تحفة نازلة في التخفيض من 70 جنية إلى 50 بس، واشتريتها على طول .. تتصور دي جلد طبيعي ..
فرد بعصبية: إشتريتيها؟ وما قلتيش لي ليه قبل ما تشتريها؟
فاستغربت من رد فعله وقلت: عادي يعني يا عمر، يعني ح اطلبك أقول لك على حاجة هايفة كده؟
قال: خمسين جنية حاجة هايفة؟
أنا: يعني إنت زعلان من المبلغ ولا من إني ما قلتش لك؟
عمـر: الإتنين .. كان لازم تستأذني مني الأول ..
فرددت عليه وقد بدأ صوتي يعلو: عمر إنت بتقول إيه؟ .. دي فلوسي .. أنا ما خدتش منك حاجة علشان الزعل ده كله ..
فصرخ بغضب: فلوسك؟ يعني إيه فلوسك؟ يعني أخرس أنا ولا إيه؟
أنا: أنا ماقلتش كده .. بس ازاي يعني أستأذن قبل ما أصرف أي حاجة؟
عمـر: أنا ياستي معقد نفسياً خلاص .. مش باحب إن مراتي تمسك فلوس وتزعق فيّ وتقول فلوسي ومالكش دعوة والكلام ده ..
أنا: ياسلام .. واشمعني الكلام ده مش بيتقال لما باجيب حاجة للبيت .. ليه مش بتقولي إستأذني؟ ولا علشان دي حاجة ليّ أنا؟
عمـر: دي ضروريات للبيت مش ممكن نستغنى عنها .. إنما الشنطة بتاعتك دلع ..
أنا: والله أدلـّع نفسي مش مشكلة .. وبعدين الضروريات دي مسئوليتك إنت، وأنا إن كنت باساعد في البيت ده مش فرض عليّ ..
قال بعصبيـة: والله أنا قلت من أيام الخطوبة تسيبي الشغل علشان وجع الدماغ ده وإنتي ما سمعتيش الكلام .. واللي كنت خايف منه حصل .. بقيتي بتعلي صوتك عليّ وتقولي فلوسي أنا ..
أنا: هو إنت يا تحبسني في البيت يا تتحكم في كل مليم؟ ده إنت فعلاً معقد على كده ..
إنتفض من مكانه والغضب يتطاير من عينيه وأمسك ذراعي بعنف وصرخ في: أنا معقد؟!! .. طيب أنا ح أوريكي العقد اللي بجد، من بكرة مفيش شغل، ولما أشوف كلامي ح يمشي ولا لأ؟
إرتعبت من نبرته المخيفة وضغطه الرهيب على ذراعي والقسوة التي يتحدث بها فارتجفت، وانهمرت دموعي بلا توقف .. فلانت نبرته قليلاً وزفر بقوة وقال: طيب بتعيطي ليه دلوقتي؟ مانتي كمان زعقتي وجننتيني ..
أنا: ……………؟؟
عمـر: كده ياسارة توصلي حاجة هايفة لحد كده؟ خلاص بقي حقك عليّ ما تزعليش ..
فرددت من بين دموعي: لا مش حاجة هايفة .. ده ربنا قال ذمة مالية منفصلة للمرأة، تيجي انت وتقولي استأذن؟
عمـر: والله أنا عارف ده بس مش قادر أطبقه .. ما أقدرش أستحمل إن مراتي تقولي دي فلوسي وإنت مالكش لازمة .. طيب اعمل إيه؟
أنا: ما اعرفش والله تعمل إيه؟
عمـر: طيب إنتي شايفة إني بخيل ولاّ باصرف على نفسي حاجة؟ ولا إنتي بتطلبي مني حاجة ومش باجيبها؟
فرددت وأنا أمسح دموعي: لأ .. أمّال إيه الفيلم ده طيب؟
قال: أنا يا ستي ما بحبش الست اللي بتعمل كده .. وبعدين أنا مش عاوزك تدفعي حاجة في البيت تاني علشان مش كل شوية تقولي باساعدك باساعدك ..
قلت: بقي أنا باعمل كده؟ الله يسامحك .. وبعدين هو انتا يعني أحسن من الرسول عليه الصلاة والسلام اللي كان بيتاجر للسيدة خديجة في مالها وهي زوجته ولا يخجل من أن يعلن إن ده مال زوجته؟ وفين؟ في قريش عز التعصب والجهل؟
عمـر: ياستي أنا ما اقدرش أوصل للمنزلة دي .. ولو الموضوع ده ح يجيب مشاكل ح أقعدك من الشغل فعلاً ..
أنا: من فضلك يا عمر ما تكبرش الموضوع كده .. أنا فعلا زعلانة منك جداً ومستغربة تفكيرك جداً ..
عمـر: حقك عليّ إني انفعلت عليكي، إنتي عارفة قد إيه بحبـّك .. لكن مش ح أقبل أبداً إني أكون على الرف أو حاجة تحصل في بيتي من غير موافقتي، حتى ولو حاجة هايفة؟
أنا: ………….؟؟

مرّت أيام وأنا وعمر متخاصمين .. يعني بنتكلم في الضروريات بس .. لكن من جوايا أنا زعلانة منه جداً من عصبيته وموقفه الغريب وتفكيره الأغرب .. المشكلة إني متأكدة إنه مش بخيل ولا طمعان فيّ .. بس مش قادرة أفسر تفكيره لحد دلوقتي .. تحكم والسلام؟! .. ولاّ خوف من الفلوس إنها تقويني فأبعد عنه؟!! وكأن اللي رابط أي زوجة بزوجها هي إنه بيصرف عليها فقط .. ولو هيّ معاها فلوس حتقدر تعيش من غيره وتسيبه بسهولة!! بجد حاجة تجنن!! طيب وستات البيوت بيطلّقوا ليه لما هي الحكاية كده؟ .. مش معقول التفكير المقلوب ده ..
عمر حاول يصالحني لكني لم أستطع أبداً .. لأني حاسة إن الصورة اللي كانت في خيالى إتهزت لأن موضوع الفلوس بين الزوجين ده حساس جداً، ودايما الزوجة بتكون راسمة لزوجها وحبيبها صورة الفارس النبيل الذي لا يتكلم قط في المال، لأن ده شيء بينقص من قدره كرجل، ودائماً تدور في عقلي عبارة الافلام الشهيرة: أنا برضه أمد إيدي لفلوس واحدة ست؟؟؟ .. فأصبح الأمر مقترن بالرجولة في نظري ..
ولكن ظروف المعيشة البشعة الآن غيرت من شكل الصورة وجعلت الرجل مضطراً لعمل زوجته ومساعدتها له، والزوجة أيضا تقبلت هذا و تسعد عندما تفعله .. ولكن للأسف لم يتخلى الرجل عن الصورة القديمة في خياله بأنه صاحب المال والآمر الناهي الأوحد .. فأصبح يعذّب زوجته بحملين؛ حمل المشاركة وحمل التحكم ..

قــال عمــر:
سارة وحشة أوي وهي زعلانة .. صحيح هي لم تقصـّر في أي حق من حقوقي في البيت، وأجد طعامي وملابسي وكل شيء مرتـّب وترد عليّ عندما أسألها عن أي شيء .. ولكن روحها المرحة الدافئة والحيوية التي تنطق من عينيها والتي تجعلني أذوب فيها إختفت!! وحل محلها لوح زجاج بارد لا يعبر عن أي شيء ..
حاولت مصالحتها بلا جدوي .. ياربي أعمل ايه؟ بس أنا كمان مش قادر أنفذ اللي هي عاوزاه!! يعني إيه أكون قاعد في البيت ألاقيها داخلة وشارية غسالة مثلاً وتقولي وإنت مالك؟ دي فلوسي، أقعد كمل الشاي اللي بتشربه وخليك في حالك!!
معقول أستحمل كده؟ ولو كنت فوّت حكاية الشنطة كان حيبقي ده العادي .. أنا مش طمعان في فلوسها أبداً لكني مضطر لمساعدتها في البيت علشان ما نزورش السيدة أنا وهيّ كل يوم جمعة .. بس أعمل إيه .. تحت هدومي الكاجوال لسه فيه صدري جدي الصعيدي .. مش قادر أتقبل الموضوع خالص .. وهيّ كمان معذورة، وشكلي وحش قدامها .. برضه أنا انفعلت بصورة غبية!! ومش قادر أعيش من غير دفء عينيها وحنيتها .. طيب ما هي مش عاوزة تصالحني .. أعمل إيه؟؟ .. شغّل التفانين يا واد يا عمر دي سارة حبيبتك ..

قــالت ســارة:
ذهبت إلى عملي كالمعتاد وأنا ماليش نفس لأي حاجة في الدنيا، وطبعاً كان باين على وشي جداً فكل واحدة ظريفة تيجي تسألني بحشرية: إيه إبتدينا نكد الجواز ولا إيه؟؟؟ قلنا كده قالوا اطلعوا من البلد ..
انا مش عارفة كل واحد ما بيحطش لسانه جوة بقه ليه؟ .. يا سااااتر ..
خلاص الساعة 2 كلها ساعة وأروّح .. موبايلي بيرن .. إيه ده؟ ده عمر .. خير؟
أنا: ألو أيوة يا عمر؟
فرد بصوت أقلقني: أيوة يا سارة، إزيك يا حبيبتي؟ إنتي كويسة؟
قلت: الحمد لله .. فيه إيه يا عمر؟
عمـر: مفيش حاجة، بس ح اعدي عليكي بعد ساعة .. إستأذنت من شغلي بدري وح أجيلك .. إستنيني ..
أنا: إيه فيه إيه؟ .. إنت رعبتني كده؟
فرد بغموض: لما آجي ح تعرفي!! مع السلامة ..

يارب سترك يارب .. دي أوّل مرة يعملها .. أكيد بابا تعب وهو مش عاوز يقول لي .. ولا ماما؟!! لا بجد حرام كده .. حاولت الإتصال به ألف مرّة بلا جدوى .. لا يرد، مما أكـّد شكي بأن مصيبة قد حصلت .. يارب أستر يارب ..
وأخيييييراً جاء بعدما أصبحت على وشك الإنهيار .. ولكنـّي وجدته في قمـّة الشياكة مرتدياً القميص المفضـّل عندي وكمان البرفان اللي باموت فيه!! إيه ده؟ طبعا لو كانت والدته هي اللي تعبانة كان جه بالبيجاما!!! لا وكمان رايق وعمّال يسلم على زمايلي ويوصيهم عليّ!! لا بجد .. لو ما قالش فيه إيه ح اخبطه بحاجة في دماغه حالاً ..
وأخيراً سلم عليّ بحرارة وهمس في أذني: وحشتيني .. وأخذني وانصرفنا .. وزميلاتي لسان حالهن يقول: جتنا نيلة في حظنا الهباب ..
وفي السيارة كان ح يغمي على من شدة القلق وسألته: أبوس إيدك قولي فيه إيه، أنا خلاص ح أموت .. ماما ولا بابا اللي تعبانين؟
فرد بلهجة المحقق كونان: إطـّمني همّ بخير، أنا واخدك لمشوار مهم جداً وما تسأليش على أي حاجة دلوقتي لحد ما نوصل ..
فخف قلقي قليلاً وإن لم يختفي تماماً .. ولكني راقبت ملامح الغموض المرسومة على وجهه وهي ممزوجة بوسامته الظاهرة اليوم .. فلاحظ أني أراقبه فسألني: إيه وحشتك؟ .. فلم أرد ومديت البوز المتين .. وأغمضت عيني، ولكنـّي رأيت صورته ما زالت مرسومة بداخلها ..
ياه الظاهر إني نمت شوية .. إيه ده؟ أنا فين؟ في الجنة؟ وأفقت لأجد القاهرة كلها تحت مستوى قدمي في منظر خلاب وجو رائع ونسيم يداعب المشاعر .. وعمر ينظر لي بحنان ويقول لي: صح النوم .. يالاّ انزلي بسرعة ..
سألته: إيه ده إحنا فين؟
رد قائلاً: في المقطـّم يا حبيبتي .. مش كان نفسك تشوفيه من زمان؟
قلت: هو ده المشوار المهم؟؟ ح نعمل إيه هنا؟
قـال: هشششششششش .. كفاية أسئلة وتعالي ..
ومشيت وراءه وأنا أبعد يده التي تحاول الإمساك بيدي والبوز مازال موجوداً ..
ودخلنا إلى كافيتريا لم أرى في جمالها من قبل .. كل حوائطها مستبدلة بزجاج دائري كي تري القاهرة من كل أركانها، وكل الأضواء أستبدلت بشموع تعطي الجو رومانسية وسحر غامض .. وأخذني الى طاولة بعيدة وجلسنا، وأنا لا أستطيع النطق بعد ما رأيته .. ونظر إلى عيني مباشرة وقال لي ثانية: وحشتيني ..
أنا: …………..؟
عمـر: بحبك ..
أنا: ……..؟
عمـر: مش عاوزة تردي عليّ؟ طيب أنا آسف ..
أنا: خلاص يا عمر، أنا مش زعلانة .. أنا نسيت الموضوع خلاص ..
قـال: واضح جداً بدليل البرود اللي بتعامليني بيه .. ياريتك خاصمتيني .. لكن إنتي إستعملتي أسلوب ذكي جداً ما قصرتيش في أي حاجة .. ولما أكلمك بتردي عادي .. لكن إنتي في دنيا وأنا في دنيا تانية .. ودي حاجة ممكن تموتني .. فين سارة حبيبتي؟
قلت: أيوة حبيبتك أوي .. بدليل إنـّك مش عاوزني أشتري لنفسي حاجة، ولازم أرفع صباعي وأستأذن قبل ما أشتري حاجة ..
قـال: يا حبيبتي أنا نفسي أجيب لك كنوز الدنيا وأحطهم تحت رجليكي .. بس إنتي عارفة الظروف .. وأنا مش عاوز أتحكم فيكي ولا حاجة .. دي حاجة نفسية جوايا بتخليني عاوز أعرف كل حاجة بتعمليها، وتحسسيني إنك مش بتعملي حاجة إلا لما أعرفها الأول ..
قلت: بس دي حاجة تخنق ..
قال: بصي يا سارة .. أنا بخيل؟
رديت: لا ..
قـال: عيني زايغة؟
رديت: لا ..
قـال: بأعامل أهلك وحش؟
رديت: لا ..
قـال: بأعاملك إنتي وحش قدام الناس أو حتى بيننا؟
رديت برضه: لا ..
قـال: مش عارف ربنا كويس؟
قلت: الحمد لله ..
قـال: طيب يا ستي إعتبري موضوع الفلوس ده عيب فيّ وخديني على قد عقلي فيه وريحيني .. وأنا اوعدك إني عمري ما ح أحرمك من حاجة أبداً بس عرّفيني الأول .. إتفقنا؟
إنكسفت جداً من إني أريده كاملاً بلا عيوب .. من تكبيري الموضوع بالشكل ده ..
ورددت عليه: إتفقنا يا حبيبي ..
قال وابتسامة فرحة تملأ وجهه: الله أكبر .. أول مرة تنطقيها من أسبوع .. أيوة كده خلي الشمس تطلع يا شيخة ..
قلت: خلاص بقى .. فرجت علينا الناس ..
قال: طيب غمضي عينكي، أنا جـِبت لك هدية .. بس ما تتعوديش على كده أحسن ح نشحت بالشكل ده!! إتفضلي يا ستي ..
فتحت العلبة التي قدمها وهتفت: الله .. إيه الصندل الجميل ده؟
قال: ده يا ستي علشان يليق على الشنطة اللي إشتريتيها .. بس زي ما إتفقنا ح تعرفيني الأول على أي حاجة .. خلاص يا حبيبتي؟
رددّت بكسوف: خلاص يا شهريار ..
فردّ بلهفة: شهريار؟!!! الله أكبر ..
ثم نظر لي وقال: سارة إنتي لازمك الغدا هنا أوي؟ .. ولاّ ممكن نروّح دلوقتي؟!!!



ا[اتنين متزوجين]ا – الحلقة السابعة

قــالت ســارة:
أخذت أجري في الشقة كالهاربة من حكم قضائي وأنا أحاول جاهدة أن أنهي تنظيف الشقة وتجهيز الغداء وتغيير ملابسي، ومفروض كمان أتزين وأقابله بابتسامة كبيرة .. طيب بجد إزاي وإمتى؟ .. إزاي تجتمع رواقة شهرزاد مع واحدة بتشتغل 8 ساعات، ويتحرق دمها بمعدل كل ربع ساعة، وبترجع بيتها محشورة في المواصلات زي قفص الطماطم؟!! طيب هو كمان ذنبه إيه يرجع يلاقيني مكشرة وتعبانة ومتوترة؟! ماهي أكيد ح تقلب بخناقة .. طيب أعمل إيه ياربي؟
خلاص يبقي الأهم فالمهم .. أنا أهم حاجة أعملها دلوقتي إني أغيّر هدومي العجيبة دي، وألبس طقم جميل بسرعة، وأضع ماكياج خفيف .. وأي حاجة تانية تتأجّل ..
كانت دايما والدتي تقولي أن الرجل لا يحب أن يضيع الأوقات الجميلة!!! يعني لو دخل البيت ولاقاكي عاملة وليمة طعام رهيبة موت، بس شعرك مضروب في الخلاّط، وريحتك بصل، وهدومك مبقّعة، ومش طايقة حد يكلمك، غالباً حيتصل بالبوليس أو يطفش من سكات!!! لكن لو جه ولاقاكي زي القمر ومشتاقة ليه والأكل يا حبيبي النهاردة فول وبيض حيبقي على قلبه زي العسل .. خلاص ح أجرب وأشوف ..

وبالفعل هدّيت نفسي تماماً ووضعت الأكل في الفرن كي يسخن وعملت الأرز سريعاً وشربت كوب شاي بمنتهى الرواقة، ولااااااا كأن في حااااجة خااااالص، ثم دخلت الحمام وأخذت شاور سريع وارتديت طقم رائع، ووضعت ماكياج وتعطرت، وبدأت في ترتيب المنزل .. و بعد 5 دقائق جاء عمر، وكنت لا أزال أزيل اثار الفطار المتين!!! ولم أفعل شيء آخر ..
دخل عمر، فجريت عليه واحتضنته وقلت له: وحشتني يا حبيبي ..
فرد عليّ وقد سرّ من استقبالي الدافىء: وانتي كمان يا حبيبتي .. إيه الجمال ده؟ معقول إنتي راجعة من الشغل من شوية؟ ..

أوعى تكون زوغت يا جميل ..
أنا: لا ما زوغتش .. بس أنا زعلانة منك، ما تكلمنيش لو سمحت ..
عمر: ليه بس عملت إيه؟
رديت عليه بدلال: كده تبعت لي رسالة واحدة، وما تكلمنيش غير مرتين بس؟؟ لا يا سيدي أنا ما ينفعنيش القسوة دي ..
فرد بسعادة من كلامي ولهفتي عليه: والله لو عليّ ما كنت نزلت من البيت وسيبتك .. ده انتي وحشتيني جداً .. إيه ده .. هو لسه الفطار مكانه .. معقول؟
برطمت في سري: و هوّ يعني أنا اللي فطرت وسبته؟!! .. يعني الفليبينية اللي هيّ أنا ح تقطع نفسها؟ وكدت أرد بعصبية، ولكني وجدت أنها ح تقلب بغم فرددت بدلال: ما حبيبي هو اللي فطر وسابه، والله أنا كنت لسه ح أشيله ليك بس علشان ما اتعبكش خاااااااااالص ..
عمر: هو صحيح أنا متعود إني ما أعملش حاجة في البيت خالص قبل الجواز، بس علشان خاطرك ح أشيله المرة دي .. بس ما تتعوديش على كده ..
رديت عليه بدلال أكبر: وفيها إيه لما أتعود؟ هو حرام لما حبيبي يدلعني ويريحني؟ ده إنت كده تثبت لي إنك بتحبني بجد، ومش عاوز حبيبتك تتعب ..
رد بنفاذ صبر: يا ستي هو الحب عندك إني أكنس وأغسل الحلل؟
أنا: وإنت الحب عندك إنـّك ترتاح وترمي كل الحمل على أكتافي أنا؟ .. يعني ازاي أكون بحب إنسان وألاقيه تعبان جداً وماأحاولش إني أساعده بأبسط مساعدة؟
عمر: يا حبيبتي أنا برجع تعبان وعاوز أرتاح، ومش معقول أشتغل جوة البيت كمان ..
أنا: يا حبيبي يعني إنت بتشتغل أكثر من الرسول عليه الصلاة والسلام اللي كان قائد أمة بحالها؟
عمر: عليه الصلاة والسلام .. لا طبعاً، وأنا آجي جنبه إيه؟
أنا: طيب يا سيدي الرسول عليه الصلاة والسلام كان بيعمل عمل أهل البيت طول ماهو موجود معاهم، يعني بيساعدهم .. شوفت بقي يا سي السيد؟
وأحب أن ينهي الحوار عندما وجد نفسه سينهزم، وقال بنفاذ صبر: طيب طيب يا سارة، سيبيني أغيّر هدومي علشان آكل وأنام شوية ..
وأحسست أن الموضوع ح يقلب بحرب وأنا لسه في بداية حدوتة جوزك على ما تعوديه!! .. فابتسمت وقلت له برقـّة: طيب يا حبيبي قدامك 3 دقايق تغير فيهم هدومك علشان أكتر من كده حتوحشني، ويمكن أبلـّغ البوليس ولا حاجة ..
فابتسم لي بغرور ولم يرد ..
يا عيني على عقل الرجالة ..

حضّرت الأكل سريعا وأنا أدعي في سري أن يعجبه، وإن كنت أشك في ده .. بس ربنا يستر .. والحمد لله الهامبورجر موجود برضه، علشان الجيران ما يسمعوش صوتنا ويقولوا العروسة الجديدة بتنضرب علقة سخنة ..
وجلسنا سوياً حول الأكل وحاولت حماية نفسي سريعاً من العلقة المتوقعة فقلت له: دي أول أكلة يا حبيبي أعملها لك بإيدي وأنا عارفة إني لسه باتعلم الطبيخ، بس كفاية إني عملتها لأحلى راجل في الدنيا علشان تبقى تجنن، مش كده؟
رد عليّ وقال: ربنا يخليكي لي يا حبيبتي، أنا مش قد الدلع ده كله .. ثم تذوق صينية البطاطس وكله أمل في الحياة، وفي ثواني ظهرت على وجهه ملامح واحد يبحث عن رقم بوليس النجدة ..
ورديت بمنتهى الإستهبال: إيه يا حبيبي، رأيك إيه؟
فرد بإحراج من مقدمة الدلع الجامدة: تسلم إيدك يا حبيبتي!!! بس هي مختلفة شوية عن اللي انا متعوّد عليها!!!!!!
فرديت ببراءة الأطفال: ميرسي يا حبيبي، بالهنا والشفا ..

قــال عمــر:
ياسلام يا واد يا عمر .. أوّل مرة أشوف البطاطس ليها طعم السبانخ المخلوطة بالذرة!! .. والرز شبه كورة القدم خماسية الأضلاع .. أكلتين كمان من دول وييجي لي كساح .. بس معقول أزعلها وهي عمالة تدلّع فيّ كده؟!!
ياااللا، ما احنا ياما أكلنا أكل حلو .. إدّيها هامبورجر واعمل نفسك من طنطا ..

قــالت ســارة:
الحمد لله عدّت على خير .. طيب لما أشوف ح يشيل معايا الأطباق ولا ح يستندل كالمعتاد، فقلت: عمر ممكن تشيل معايا الأطباق لو سمحت؟
عمر: يوووه يا سارة، كفاية طلبات أرجوكي ..
فرديت بمسكنة: طيب آسفة إني ضايقتك!! ومشيت بانكسار مفتعل وأنا أحمل الأطباق، فما هي إلا لحظة واحدة وقام طبعاً وقال لي: خليكي إنتي يا حبيبتي أنا حاشيلهم .. وإنتي إرتاحي ..
ضحكت في سري من طيبته وأكملت خطـّتي بعدما فرغ من الأطباق، وقلت بدلال كبير: طيب يا حبييي أدخل إنت نام شوية وأنا ح اغسل الأطباق، هو أنا كنت عاوزة أتكلم معاك شوية قبل ما تنام، بس مش مهم أنا ح أغسل الأطباق لوووحدي، وإنت أدخل أرتاح .. بس تعرف إنت واحشني وكنت عاوزة أتكلم معاك وأحكي لك على اللي حصل كله النهاردة .. بس يوم تاني بقي ..
عمر: لا يا سارة يا حبيبتي، سيبي الأطباق مش مهم، وتعالي نقعد مع بعض شوية ..
أنا: أسيبها؟ لا يمكن أبداً أبداً أبداً ..
عمر: طيب يا حبيبتي أنا ح اساعدك وأغسلهم معاكي .. ما تهونيش عليّ ..
أنا: إنت أحلى زوج في الدنيا دي كلها .. وبجد وحشتني ..

قــال عمــر:
أخيرا جه يوم الجمعة .. يوم الإجازة .. مفيش صحيان بدري ولا جري على الشغل ..
ياحبيبتي يا سارة، نايمة زي الملاك .. تعبتْ جداً الأسبو ع ده .. بس أكيد ح تتعوّد وحيبقي الموضوع أسهل عليها، وأنا كمان بقيت أساعدها شوية، بس علشان بحبها ..
فرصة والدنيا لسه هادية أقوم أقعد لوحدي شوية، وأقرأ الجرايد على رواقة، وأشرب كوباية شاي موزونة، ومش ضروري فطار النهاردة .. الله، الشقة شكلها جميل أوي ..
الصبح الشمس داخلة من الشبابيك والستائر الحرير معطيه نعومة ورقة للبيت .. كل البيت ده بتاعي أنا؟! ده أنا طول عمري لي أوضة واحدة في بيت والدي وكنت باعتبرها مملكتي الخاصة، وناقص أكتب عليها ممنوع الإقتراب أو التصوير!! .. فجأة ألاقي لي شقة كاملة جميلة زي دي وأنا راجل البيت؟؟! إحساس رائع باكتمال الرجولة .. يارب يديمه علينا ..
وجلستُ أقرا الجرائد في روقان وهدوء حتى مر الوقت وباقي ساعة على صلاة الجمعة .. فرصة أقرأ سورة الكهف قبل أن أنشغل في أي حاجة تانية ..

قــالت ســارة:
أول مرة أصحى براحتي من أسبوووووع كامل مش مفزوعة من صوت المنبة الجبار .. صحيح الستات مفروض يقعدوا في البيت بس علشان يناموا براحتهم ..
ايه ده عمر فين؟ الراجل طفش ولا إيه؟ باضحك جداً لما أشوف في التليفزيون واحدة صاحية من النوم وقبل ما تفتح عينيها تتحسس مكان نوم جوزها كأنها بتدوّر على فردة شراب مثلاً! طيب ما تفتح عينيها أسهل وح تكتشف إن المذكور فلسع من بدري؟ تلاقيه طلع نام في الصالة ولاّ بيتكلم في التليفون .. لأ مفيش وقت دي صلاة الجمعة قربت .. واقتربت لأشاهد منظر جميل طالما حلمت به قبل زواجي؛ وجدت عمر يجلس تحت شباك الصالة وممسكاً بالمصحف ويقرأ في خشوع بصوت رخيم وتجويد سليم حتى أنه لم يشعر بوجودي .. إقتربت لأجلس بجواره أستمع إليه .. ولكني وجدت نفسي لا شعوريا أجلس تحت أقدامه، فليس الرجل الغني أو الوسيم هو من تعشقه المرأة، ولكنه الرجل الذي يخشى الله ..
جلست على الأرض أستمع لسورة الكهف وكأني أسمعها لأول مرة .. سعدتُ من صوته الرخيم وخشوعه وأحاط بنا هدوء واطمئنان وكأن الملائكة يباركون اجتماعنا .. وأنا اختلس النظر لوجهه وهو يقرأ لأستمتع بملامحه الخاشعة وأشكر الله على نعمته التي أنعمها عليّ، حتى انتهى من القراءة وجذبني من يدي لأجلس بجواره وسألني: ليه يا حبيبتي قعدتي على الأرض؟ .. ده انتي تقعدي جوّه عيني ..
أنا: لا يا حبيبي، حسيت إنـّك كبير أوي وإنت في حالة الخشوع دي، ما قدرتش أقعد جنبك ..
عمر: ياااه، إنتي مكبرة الموضوع، ربنا بس يتقبل .. وإنتي متعودة على قراءة سورة الكهف كل جمعة؟
أنا: بصراحة، ساعات ساعات، مش دايماً ..
عمر: لا يا حبيبتي، إن شاء الله نقرأها دايماً سوا .. وبعدين خليكي شطورة واسمعي كلام عمو عمر علشان أديكي الهدية اللي جبتهالك إمبارح ..
نطّيت بسرعة: إيه ده هدية؟ كده وساكت من امبارح يا غلس؟
عمر: أصلهم مش هدية واحدة، دول اتنين ..
أنا: كمان؟ كفاية غلاسة بقى .. يالا مش قادرة استنى ..
رد بمكر ذو مغزى: طيب تدفعي كام؟
فهمت مقصده وقلت له: مش عاوزة منك حاجة ..
ضحك وقال: طيب خلاص خلاص، أنا باضحك معاكي .. شوفي يا ستي دول أهم هديتين حتاخديهم في حياتك .. أول واحدة إتفضلي ياستّي .. تاتاتاتاتاتاتاتاتا ..
وفتحت لفة الهدية البرّاقة ثم صرخت بخيبة أمل: يااااااااااااااسلام .. حصالة؟!!!!!!!!!! لا والله وجاي على نفسك كده ليه؟!! ودي أحط فيها مصروف البيت ولا أحوش لبنتك اللي في خامسة ابتدائي؟
عمر: ياساتر يارب .. إستني شوية، إيه ده مدفع رشاش؟ إستني لما أفهمك حتعملي بيها إيه.
أنا: إتفضل يا عم الموفِّر ..
تجاوز عن التريقة ورد بصبر: دي يا ستي أنا وإنتي ح نحوش فيها كل يوم أي مبلغ، إن شا الله جنيه واحد .. أي فلوس والسلام، ونيجي آخر الأسبوع يوم الجمعة نفتح الحصالة ونتصدق بالمبلغ ده .. وبكده نكون كل يوم بنطلع صدقة حتى لو كانت بسيطة .. وممنوع إنه يعدي يوم من غير أي صدقة، حتى لو مش حناكل اليوم ده .. وبكد حنلاقي بركة في دخلنا غير عادية .. فهمتي يا حبيبتي؟
رديت بانبهار وسعادة بالغة: يا خبر، إيه الفكرة الروعة دي؟ جبتها منين دي؟
عمر: يعني موافقة ؟ .. طيب نيجي للهدية التانية .. شوفي يا حبيبة قلبي، ده مصحف مجزء لـ30 جزء .. حتيجي على الدرجين بتوع البوفيه وترمي كل الكوارث اللي فيهم وتفضّيهم خالص وتحطي أجزاء المصحف في الدرج اليمين .. وكل يوم أنا وإنتي كل واحد منا يأخد جزء محدد ويقراه .. ولما يخلصه سواء في يوم أو كذا يوم يحطه في الدرج الشمال وياخد جزء جديد، وهكذا لحد ما الدرج الشمال يتملي خالص، نعرف إن أنا وإنتي ختمنا المصحف مرة .. وبعد كده نرجعه تاني للدرج اليمين، وهكذا على طول .. إيه رأيك؟
أنا: بجد مش عارفة أرد وأقول إيه غير إني أشكر ربنا إنه أهداني بيك ..
عمر: بصي يا سارة، الحب مش بيستمر بين الزوجين بالكلام الحلو ولا بالفلوس ولا حتى بالأولاد .. لكن بيستمر بطاعة ربنا وبركته لهم .. وإحنا عاوزين بيتنا ده بيت طائع لله علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا وأولادنا اللي جايين إن شاء الله ..
أنا: ربنا يكرمك ويخليك لي يارب، وتفضل كده على طول ..
عمر: ياااااااااااه، ده أنا كده ح أتأخر على الصلاة .. يالاّ بقى مع السلامة .. على فكرة ح اخرج مع اصحابي شوية بعد الصلاة وح أرجع على الغداء ..
أنا: طيب ما تنساش تدعيلي .. مع السلامة ..

خرج حبيبي وأانا أودعه وأشكر الله على أن أهداني هذا الزوج .. ثم توضئت وصليت الظهر وجلست أقرأ سورة الكهف، ووعدت نفسي ألاّ أقطعها أبدا في أي يوم جمعة ..
ثم اخرجت محتويات درجين البوفيه ورصيت بالدرج الأيمن كل الأجزاء، وبدأت بأول جزء وسجّلت تاريخ هذه الختمة في ورقة صغيرة كي نعلم متى سننتهي منها .. ثم جلست أقرأ القران لفترة طويلة ..
ثم قمت لتحضير الغداء والذي كان لحسن الحظ معونة إنسانية من ماما بعدما حكيت لها مأساتي مع الأكل، وإن ممكن أتطلّق وانا في شهر العسل من الكوارث اللي باعملها .. فالظاهر خافت إني أرجعلهم وهمّ ما صدقوا يخلصوا مني!!!! فطبخت لي كام صنف تحفة .. ربنا يخليكي لي يا مشرفاني ..

أريد أن يكون هذا اليوم جميلاً لأكافيء عمر على هداياه الرائعة .. أعددت الغداء وجمّلت السفرة بورود، ورششت معطر جو هادىء، وبدلت ملابسي لأرتدي عباءة ناعمة، وتركت شعري منسدلاً على كتفي وتعطرت، وطلبت عمر فأخبرني أنه مع أصحابه .. طيب وبعدين؟
رنيت عليه ثانية فلم يرد .. أرسلت له رسالة: تعالى بقى يا عمر، إنت اتأخرت أوي .. برضه لم يرد ..
أرسلت رسالة ثانية: يا سيدي كفاية تقل، بجد وحشتنا .. لم يرد ..
فأرسلت له الضربة القاضية: خلاص يا حبيبي خليك براحتك، بس شهرزاد كان نفسها تشوفك أوي .. خلاص بقى تدخل تنام أحسن ..
وطبعاً كما توقعت جاء بعد دقائق معدودة .. وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح تاااااااااااااااني ..



Facebook Twitter Favorites More